بسم الله الرحمن الرحيم ***يروي اصحاب التواري والسير إنّ جماعة من المنافقين أتوا إلى النبي (صلى الله عليه واله) وطلبوا منه أن يسمح لهم ببناء مسجد في حي بني سليم -قرب مسجد قباء- حتى يصلي فيه العاجزون والمرضى والشيوخ، وكذلك ليصلي فيه جماعه من الناس الذين لا يستطيعون أن يحضروا مسجد قباء في الأيام الممطرة، ويؤدوا فرائضهم الإسلامية وكان ذلك في الوقت الذي كان فيه النبي (ص) عازمًا على التوجه إلى تبوك. فأذن لهم النبي(صلى الله عليه واله) إلّا أنهم لم يكتفوا بذلك، بل طلبوا منه أن يصلي فيه، فأخبرهم بأنّه عازم على السفر الآن، وعند عودته بإذن الله فسوف يأتي مسجدهم ويصلي فيه. فلماّ رجع النبي (صلى الله عليه واله) من تبوك حضروا عنده وطلبوا منه الحضور في مسجدهم والصلاة فيه، وأن يدعوا الله لهم بالبركة، وكان النبي (صلى الله عليه واله) لم يدخل بعد أبواب المدينة،فنزل الوحي وتلا علية هذه الآيات، وكشف الستار عن الأعمال هولاء، فأمر النبّي بحرق المسجد المذكور، بهدم بقاياه، أن يُجعل مكانه محلاً لرمي القاذورات والأوساخ. إذا نظرنا إلى الوجه الظاهري لهذا العمل،فسوف نتحير في البداية،فهل أن بناء مسجد لحماية المرضى والطاعنين في السن من الظروف الطارئة، والذي هو في حقيقته عمل ديني وخدمه إنسانيه، يعدّ عملاً مضرًا وسيئًا حتى يصدر في حقّه هذا الحكم؟ إلاّ أننّا إذا دققنا النظر في الواقع الباطني رأينا أنّ هذا الأمر بهدمه في منتهى الدقة. وتوضيح ذلك، أنّ رجلاً في زمن الجاهلية يقال له: أبو عامر، كان قد اعتنق النصرانية، وسلك مسلك الرهبانية، وكان يعد من الزهاد والعباد وله نفوذ واسع في طائفة الخزرج. وعندما هاجر النبي (صلى الله عليه واله) إلى المدينة واحتضنه المسلمون ونصروه؛ وبعد انتصار المسلمين على المشركين في معركة بدر، رأى أبو عامر -الذي كان يومًا من المبشرين بظهور النبي (صلى الله عليه واله)- أنّ الناس قد انفضوا من حوله،وبقي وحيدًا، وعند ذلك قرر محاربة الإسلام ،فهرب من المدينة إلى كفار مكّة، واستمد القوة لمحاربة النبي (صلى الله عليه واله)، ودعا قبائل العرب لذلك فكان ينفذ ويقود جزءًا من مخططات معركة أحد،وهو الذي أمر بحفر الحفر بين الصفين والتي سقط النبي (صلى الله عليه واله) في أحدها فجرحت جبهته وكُسرت رباعيته. فلمّا انتهت غزوة أحد بكل ما واجه المسلمون فيها من مشاكل ونوائب،دوى صوت الإسلام أكثر من ذي قبل،وعمّ كل الأرجاء، فهرب أبو عامر من المدينة وذهب إلى هرقل ملك الروم ليستعين به لقتال النبي(صلى الله عليه واله) وليرجع إلى المسلمين ويقاتلهم في جيش عظيم.ويلزم هنا أن نذكر هذه النقطة، وهي أن النبي(صلى الله عليه واله) لما رأى ما صدر منه من التحريض والعدة لقتال المسلمين ونبيهم سماّه (فاسقًا). يقول البعضّ: إن الموت لم يمهله حتى يُطلع هرقل على نواياه ومشاريعه، إلاّ أنّ البعض الآخر يقول: إنّه اتصل بهرقل وتحمس لوعده! على كل حال، فإنه قبل أن يموت أرسل إلى منافقي المدينة يبشرهم فيها بالجيش الذي سيصل لمساعدتهم، وأكدّ عليهم بالخصوص على أن يبنوا له مركزًا ومقرًّا في المدينة ليكون منطلقًا لنشاطات المستقبل. ولما كان بناء مثل هذا المقرّ، وباسم أعداء الإسلام غير ممكن عمليًا رأى المنافقون أن يبنوا هذا المقرّ تحت غطاء المسجد، وبعنوان مساعدة المرضى والعاجزين. وأخيرًا تمّ بناء المسجد، ويقال أنّهم اختاروا شابًا عارفًا بالقرآن من بين المسلمين يقال له (مجمع بن حارثة) أو (مجمع بن جارية) وأوكلوا له إمامة المسجد. إلا أنّ الوحي الآلهي أزاح الستار عن عمل هولاء، وربما لم يأمر النبي(صلى الله عليه واله) بشيء قبل ذهابه إلى تبوك ليواجه هولاء بكل شدّة،من أجل أنّ يتضح أمرهم أكثر من جهة، ولئلا ينشغل فكريًا وهو في مسيره إلى تبوك بما يمكن أن يحدث فيما لو أصدر الأمر. وكيف كان، فإن النبي(صلى الله عليه واله) لم يكتف بعدم الصلاة في المسجد وحسب، بل إنه كما قلنا أمر المسلمين وهم مالك بن دخشم،ومعنى بن عدي،وعامر بن سكر أو عاصم بن عدي أنّ يحرقوا المسجد ويهدموه ، فنّفذ هولاء ما أُمروا به، فعمدوا إلى سقف المسجد فحرقوه، ثم هدموا الجدران، واخيرًا حولوه إلى محل لجمع الفضلات والقاذورات.