بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وال محمد

(نتائج الجدل الكلامي والصراع الفكري)

زعم غير واحد : أن التشيع كسائر المذاهب الإسلامية من إفرازات الصراعات السياسية ، في حين يذهب البعض الآخر إلى القول بأنه نتاج الجدال الكلامي والصراع الفكري .

فأخذوا يبحثون عن تاريخ نشوئه وظهوره في الساحة الإسلامية ، وكأنهم يتلقون التشيع بوصفه ظاهرة جديدة وافدة على المجتمع الإسلامي ، ويعتقدون بأن القطاع الشيعي وإن كان من جسم الأمة الإسلامية إلا أنه تكون على مر الزمن نتيجة لأحداث وتطورات سياسية أو اجتماعية فكرية أدت إلى تكوين هذا المذهب كجزء من ذلك الجسم الكبير ، ومن ثم اتسع ذلك الجزء بالتدريج .

ولعل هذا التصور الخاطئ لمفهوم التشيع هو ما دفع أصحاب هذه الأطروحات إلى التخبط والتعثر في فهمهم لحقيقة نشوء هذا المذهب ، ومحاولاتهم الرامية لتقديم التفسير الأصوب ، ولو أن أولئك الدارسين شرعوا في دراستهم لتأريخ هذه النشأة من خلال الأطروحات العقائدية والفكرية التي ابتني عليها التشيع لأدركوا بوضوح ودون لبس أن هذا المذهب لا يؤلف في جوهر تكوينه وقواعد أركانه إلا الامتداد الحقيقي للفكر العقائدي للدين الإسلامي والذي قام عليه كيانه .

وإذا كان البعض يذهب إلى الاعتقاد بأن التشيع يظهر بأوضح صوره من خلال الالتفاف والمشايعة للوصي الذي اختاره رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) خليفة له بأمر الله تعالى ليكون قائدا وإماما للناس - كما كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) - ففي ذلك أوضح المصاديق على حقيقة هذا النشوء الذي اقترن بنشوء وتبلور الفكر الإسلامي الكبير ، والذي لا بد له من الاستمرار والتواصل والتكامل حتى بعد رحيل صاحب الرسالة ( صلى الله عليه وآله ) ، والذي ينبغي له أن يكون الاستمرار الحقيقي لتلك العقيدة السماوية وحامل أعباء تركتها .

فإذا اعتبرنا بأن التشيع يرتكز أساسا في استمرار القيادة بالوصي ، فلا نجد له تأريخا سوى تأريخ الإسلام ، والنصوص الواردة عن رسوله ( صلى الله عليه وآله ) .

فان (1)نصوصا متوفرة في وصاية الإمام أمير المؤمنين ، وإذا كانت تلك النصوص من القوة والحجية التي لا يرقى إليها الشك ، وتعد وبدون تردد ركائز عقائدية أراد أن يثبت أسسها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فهي بلا شك تدل وبوضوح على أن هذه الاستجابة اللاحقة استمرار حقيقي لما سبقها في عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وإذا كان كذلك فإن جميع من استجابوا لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وانقادوا له انقيادا حقيقيا ، يعدون بلا شك رواد التشيع الأوائل وحاملي بذوره ، فالشيعة هم المسلمون من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان في الأجيال اللاحقة ، من الذين بقوا على ما كانوا عليه في عصر الرسول في أمر القيادة ، ولم يغيروه ، ولم يتعدوا عنه إلى غيره ، ولم يأخذوا بالمصالح المزعومة في مقابل النصوص ، وصاروا بذلك المصداق الأبرز لقوله سبحانه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )
الحجرات اية 1.
ففزعوا في الأصول والفروع إلى علي وعترته الطاهرة ، وانحازوا عن الطائفة الأخرى من الذين لم يتعبدوا بنصوص الخلافة والولاية وزعامة العترة ، حيث تركوا النصوص ، وأخذوا بالمصالح .

إن الآثار المروية في حق شيعة الإمام عن لسان النبي الأكرم - والذين هم بالتالي شيعة لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) - ترفع اللثام عن وجه الحقيقة ، وتعرب عن التفاف قسم من المهاجرين حول الوصي ، فكانوا معروفين بشيعة علي في عصر الرسالة ، وإن النبي الأكرم وصفهم في كلماته بأنهم هم الفائزون ..

ما ورد من النصوص في المقام : أخرج ابن مردويه عن عائشة ، قالت : قلت : يا رسول الله من أكرم الخلق على الله ؟ قال : " يا عائشة أما تقرئين : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ } "البينة اية 7.
الدر المنثور للسيوطي 6:589



أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال : كنا عند النبي ( صلى الله عليه وآله ) فأقبل علي فقال النبي : " والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة " ، ونزلت : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ } فكان أصحاب النبي إذا أقبل علي قالوا : جاء خير البرية .نفس المصدر السابق.

فكل من جرى القلم(2) في صفحات التاريخ، باحثا " فيه عن أحوال الأمم الماضية والقرون الخالية، تعرض إلى حادث السقيفة، وما جرى فيها وبها من كوارث مؤلمة تقض المضاجع، وتندي الجبين.

ولكن قل أن ينجو مؤرخ من الانحياز إلى أحد الطائفتين (الشيعة والسنة) (3) المتخاصمتين من ذلك اليوم إلى يوم الناس هذا، وإلى ما بعده. ولقد عالج هذا الحادث في كل قرن مضى كثير من المؤرخين، راجين قشع ما تلبد عليه من سحب، وما أحاط به من دخان، وإزالة ما وضع في سبيل الأمة من عقبات كؤود لا يجتازها عابرها إلا بشق الأنفس.


وهيهات النجاة وكشف القناع عما وضعه الوضاعون، ودسه الدساسون في القرن الأول، والقرن الثاني، وما يليهما من القرون، وقصدهم بما وضعوه، وبما دسوه الستر على من ارتكب الطرق الملتوية لئلا تتكشف عوراتهم البادية، وتعمية السبيل المستقيم على سالكيه لهذا وذاك، عسر على المحققين المنصفين مع بذلهم قصارى جهدهم للوقوف على تمحيص الحقيقة آنذاك.


لكن الله جلت قدرته لن يخلي زمنا " ما ممن يقذف بالحق على الباطل، فيدمغه فإذا هو زاهق، والحمد لله رب العالمين. إذن فالكتابة عن يوم السقيفة وطوارئها، والبحث عن إدراك غوامضها ليس بالأمر السهل، إذ هو السبب القوي الداعي إلى انقسام الأمة إلى فرقتين في يومه، ثم إلى فرق تبلغ الثلاث والسبعين فرقة، كما جاء في الحديث كل فرقة تحمل على من سواها حملة شعواء لا هوادة فيها، وتحملها أوزار الثقلين من الإنس والجن، ولا ينجو من تلك الفرق كلها سوى فرقة واحدة، بإخبار الرسول صلى الله عليه وآله وهذا شئ عظيم يوجب إلفات النظر بدقة.


أمة كبيرة طويلة المدى، لا ينجو منها سوى فرقة واحدة (الله أكبر) إذن يجدر بالإنسان أن يجهد جهده لإنقاذ نفسه، وإنقاذ عياله، ومن يلوذ به وأصدقائه، بل جميع الأمة إن استطاع ولا أراه بمستطيع... فالأمر أمر تضرب له آباط الإبل، انتبه ! !

إذن، فأي فرقة هي الفائزة بالنعيم الأبدي في رضوان الجنان ؟

لعمري ولعمر الدهر، لو أن الإنسان بات الدهر طاويا "، يفترش الغبراء، ويلتحف الزرقاء ونجى لما كان مغبونا " به.. فنقول:
إن صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله وهو الرؤوف بأمته، الرحيم بها، أيقول لنا حديثا " [هو] من أهم الأحاديث الواردة في الترغيب والترهيب، وفيه من الغموض ما لا يستطيع أعظم مفكر أن يكتشف غوامضه إلا أن يكون معصوما "، ويتركه على الصدفة بدون أن يعلق عليه، فيوقع أمته مضطربة الأحوال، تتخبط خبط العشواء في الليلة الظلماء ؟ !

حاشاه من أن يغمض أمرا ذا بال، فيه لأمته النجاة أو الهلاك فأقول: إن الفرقة الناجية هي التي تمسكت بولاء الله وولاء الرسول والأئمة الأطهار الذين طهرهم الله من الرجس، وتبرأت ممن عاداهم عملا " بالحديث الثابت المتفق عليه من كلا الطائفتين (الشيعة والسنة) وهو قوله صلى الله عليه وآله:

(من كنت مولاه، فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله) .
-----------------------------------
1-الشيعة في موكب التاريخ .الشيخ جعفر السبحاني.
2-الشيخ الحلبي الذي تخرج من الأزهر الشريف وأصبح قاضيا للقضاة في حلب وهو ( الشيخ محمد مرعي الأمين الأنطاكي ) الذي ألف كتاب ( لماذا اخترت مذهب الشيعة مذهب أهل البيت عليهم السلام . وأخوه الشيخ ( أحمد مرعي الأمين الأنطاكي الذي ألف كتاب ( في طريقي إلى التشيع ) .

3- قال المؤلفات: الشيعة هم موجودون في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وهو الذي وضع حجر الأساس لهم، والذي وضع حجر الأساس إلى المذهب السني ليكيد به الشيعة هو معاوية، فما أبعد ما بين الأساسين ! ! !