الفصل السابع : المجبرة والمجسمة والنجارية

في هذا الفصل يتعرض المصنف الى ثلاثة طوائف من المسلمين ,الاولى المجبرة والثانية المجسمكة والثالثة النجارية ,واليك نوع من التفصيل في كل منهما :
اما الاولى : فهم اصحاب نظرية الجبر وهي حركة فكرية رجعية نمت منذ زمن ما قبل الاسلام من المشركين واهل الكتاب من القول بالجبر والجسم ,ولاجل ايقاف القارئ الكريم على هذه التيارات الفكرية نتعرض الى اهم معتقداتهم ,واما الجهمية ومصطلح الجهمية فمؤسسها الجهم بن صفوان السمرقندي (المتوفى128 هـ) قال الذهبي في ميزان الاعتدال (جهم بن صفوان، أبو محرز السمرقندي الضالّ المبتدع، رأس الجهميّة، هلك في زمان صغار التّابعين، و ما علمته روى شيئاً، لكنّه زرع شرّاً عظيما ) .
قال المقريزي: «الجهميّة أتباع جهم بن صفوان التّرمذي مولى راسب، و قتل في آخر دولة بني أُميّة، و هو:
1ينفي الصفات الإلهية كلّها، ويقول: لا يجوز أن يوصف الباري بصفة يوصف بها خلقه.
2 أنّ الإنسان لا يقدر على شيء و لا يوصف بالقدرة، ولا الإستطاعة.
3 أنّ الجنّة و النار يفنيان، و تنقطع حركات أهلهما.
4 أنّ من عرف اللّه ولم ينطق بالإيمان لم يكفر، لأنّ العلم لا يزول بالصمت، و هو مؤمن مع ذلك.
وقد كفّره المعتزلة في نفي الاستطاعة. وكفّره أهل السنّة بنفي الصفات و خلق القرآن ونفي الرؤية.
5 وانفرد بجواز الخروج على السلطان الجائر.
6وزعم أنّ علم الله حادث لا بصفة يوصف بها غيره
وقد ذكر ابن الأثير في حوادث سنة (128هـ) كيفيّة قتله بيد نصر بن سيّار، ومن أراد فليرجع إليه .
التطوير في لفظ الجهمي
لمّا كان نفي الصفات عن الله، والقول بخلق القرآن ونفي الروٌية، ممّا نسب إلى منهج الجهم وقد عرفت أساس مذهبه فيما مرّ، صار لفظ «الجهميّ» رمزاً لكلّ من قال بأحد هذه الاُمور، وإن كان غير قائل بالجبر ونفي القدر. ولأجل ذلك ربّما تطلق الجهميّة و يراد منها المعتزلة أو القدريّة، وعلى هذا الأساس يقول أحمد بن حنبل:
والقرآن كلام الله ليس بمخلوق، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومن زعم أنّ القرآن كلام الله و وقف ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق، فهو أخبث من الأوّل، ومن زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن و تلاوتنا له مخلوقة، والقرآن كلام الله، فهو جهميّ، ومن لم يكفِّر هؤلاء القوم كلّهم فهو مثلهم .
نعم، القوم و إن نسبوا إلى الجهم كون القرآن مخلوقاً، لكنّه بعيد جدّاً، لأنّه مات في آخر دولة الأمويين ولم تكن المسألة معنونة في تلك الأيّام، وإنّما طرحت في العصر العبّاسي خصوصاً في عصر المأمون.
وقد ألّف البخاري والإمام أحمد كتابين في الردّ على الجهمية وعنيا بهم المعتزلة. والمعتزلة يتبرّأون من هذا الاسم. ويتبرّأ بشر بن المعتمر ـ أحد رؤساء المعتزلة ـ من الجهميّة في ارجوزته إذ يقول:
ننفيهم عنّا ولسنا منهم * ولا هم منّا ولا نرضاهم
إمامهم جهم وما لجهم * وصحب عمرو ذي التقى والعلم

ويريد عمرو بن عبيد الرئيس الثاني للمعتزلة بعد واصل بن عطاء.
وعلى كلِّ تقدير، فعدُّ المعتزلة «جهميّة» ظلم و اعتساف، ولم يذكر أحد منم الجهم من رجالهم، وقد أرسل واصل بن عطاء، حفص بن سالم إلى خراسان، وأمره بلقائه فمناظرته و إنّه لقيه في مسجد «ترفد» حتّى قطعه .

مقاتل بن سليمان المجسِّم
إنّ القضاء على العقل في ساحة العقائد، والاعتماد على النّقل المحض ـ الّذي انقطع أثره بعد رحلة رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم إلى عصر أبي جعفر المنصورـ إلاّ شيئاً لا يذكر أيّد هذه الحركات الرجعيّة لو لم نقل إنّه أنتجها.
ومن رافع ألوية التشبيه والتجسيم، وناقل أقاصيص الأحبار والرهبان في القرن الثاني، هو مقاتل بن سليمان الذي كان هو و جهم بن صفوان في مسألة التنزيه والتشبيه على طرفي نقيض، فالأوّل غلا في التنزيه حتى عطّل، وذاك غلا في الاثبات حتى شبّه فهذا معطّل وذاك مشبّه، وقد مُلئت كتب التفاسير بأقوال مقاتل و آرائه فليعرف القارئ مكانه في الوثاقة وتنزيه الربّ عن صفات الخلق.
قال ابن حبّان: (كان يأخذ من اليهود والنصارى في علم القرآن الّذي يوافق كتبهم، وكان يشبّه الربّ بالمخلوقات، و كان يكذب في الحديث) .
قال أبو حنيفة: (أفرط جهم في نفي التشبيه، حتّى قال إنّه تعالى ليس بشيء، وأفرط مقاتل في الاثبات حتّى جعله مثل خلقه) .
وقال وكيع: كان كذّاباً .
وقال البخاري: (قال سفيان بن عيينة: سمعت مقاتلاً يقول: إن لم يخرج الدجّال في سنة خمسين و مائة فاعلموا أنّي كذّاب ) .
وقال النسائي: كان مقاتل يكذب
وقال الجوزجاني: كان دجّالاً جسوراً. سمعت أبا اليمان يقول: قدم هيهنا فلمّا أن صلّى الإمام أسند ظهره إلى القبلة وقال: سلوني عمّا دون العرش، وحدّثت أنّه قال مثلها بمكّة، فقام إليه رجل، فقال: أخبرني عن النّملة أين أمعاؤها؟ تم الكلام في الجهمية .
واما المجسمة : الكراميّة
وهذه الفرقة منسوبة إلى محمّد بن كرّام السجستاني شيخ الكرامية (م 255)
قال الذهبي في ميزان الاعتدال: ساقط الحديث على بدعته، أكثر عن أحمد الجويباري ومحمّد بن تميم السعدي وكانا كذّابين .
قال ابن حبّان: خذل، حتّى التقط من المذاهب أردأها، ومن الأحاديث أوهاها...وجعل الإيمان قولاً بلا معرفة .
و قال ابن حزم: قال ابن كرّام: الإيمان قول باللسان، و إن اعتقد الكفر بقلبه فهو مؤمن. ومن بدع الكرّاميّة قولهم في المعبود تعالى إنّه جسم لا كالأجسام و قد سُقت أخبار ابن كرّام في تأريخي الكبير. وله أتباع و مريدون وقد سجن في نيسابور لأجل بدعته ثمانية أعوام، ثم أخرج وسار إلى بيت المقدس، ومات بالشام سنة 255 هـ
يلاحظ عليه: أنّ ما أسماه مؤمناً سمّاه القرآن منافقاً. قال سبحانه ( إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّهِ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)(المنافقون/1)
وقاعدة مذهبه التجسيم، وتوصيف الواجب باُمور حادثة، وكلّ ما يذكره أصحاب الملل والنحل يرجع إلى هذا الأصل، وأمّا أصنافهم فقد ذكر البغدادي أنّ للكرّامية بخراسان ثلاثة أصناف:حقائقية، والطزائقية و اسحاقية وذكر الشهرستاني لها اثنتي عشرة فرقة و أنّ اُصولها ستّة وهي : (العبادية والتونية والزرينية والاسحاقية و الواحدية و الهيصمية) .
وكانت الحركة الكرّامية، حركة رجعية بحتة حيث دعا أتباعه إلى تجسيم معبوده، وأنّه جسم له حدّ ونهاية من تحت والجهة الّتي منها يلاقي عرشه. وقال البغدادي: وهذا شبيه بقول الثنوية: إنّ معبودهم الّذي سمّوه نوراً، يتناهى من الجهة التي تُلاقي الظلام وإن لم يتناه من خمس جهات.
ومن عقائده: أنّ معبودهم محلّ للحوادث و زعموا أنّ أقواله و إراداته، و إدراكاته للمرئيات، وإدراكاته للمسموعات، وملاقاته للصفحة العليا من العالم، أعراض حادثة فيه، وهو محلّ لتلك الحوادث الحادثة فيه .
ومن غرائب آرائه أنّه وصف معبوده بالثِّقل و ذلك أنّه قال في كتاب «عذاب القبر» في تفسير قول الله عزّ وجلّ) : إذا السماء انفطرت (أنّها انفطرت من ثقل الرحمان عليها.
إلى غير ذلك من المضحكات والمبكيات في الاُصول والفقه. وقد ذكر البغدادي آراءه الفقهيّة أيضاً و ذكر فيه قصّة عجيبة من أرادها فليرجع إليه
إنّ للكرّامية نظريات في موضوعات اُخر، ذكرها البغدادي، وقد بلغت جرأتهم في باب النبوّة حتّى قال بعضهم: إنّ النّبيّ أخطأ في تبليغ قوله «ومناة الثالثة الاُخرى» حتّى قال بعده: تلك الغرانيق العلى، وإنّ شفاعتها ترتجى .
مع أنّ قصّة الغرانيق أقصوصة ابتدعها قوم من أهل الضلالة وقد أوضحنا حالها في محاضراتنا باسم سيّد المرسلين صلَّى الله عليه و آله و سلَّم» فلاحظ.
ونكتفي بهذا النزر في بيان عقائدهم وكلّها وليد إقصاء العقل والمنطق عن ساحة العقائد والاكتفاء بالروايات، مع ما فيها من أباطيل و ترّهات وضعها الأعداء، واختلقتها الأهواء فهي من أسوأ الحركات الرجعية، الظاهرة في أواسط القرن الثالث.
واما النجارية : وهم اتباع الحسين بن محمد بن عبد الله النجار
ومنهم النجار الأستاذ أبو عبد الله الحسين بن محمد ابن عبد الله النجار أحد كبار المتكلمين وقيل كان يعمل الموازين وله مناظرة مع النظام فأغضب النظام فرفسه فيقال مات منها بعد تعلل ذكر النديم أسماء تصانيف النجار منها إثبات الرسل وكتاب القضاء والقدر وكتاب اللطف والتأييد وكتاب الإرادة الموجبة وأشياء كثيرة .
فقد وافق أهل الحديث في نظرية الجبر مع الكسب إلي يأتي الكلام عن هذه النظرية تفصيلا ان شاء الله تعالى في محله , وتأثير القدرة الحادثة ومعناها : [الكسب عبارة عن تعلق القدرة الحادثة بالمقدور في محلها من غير تأثير ] .
واتفقت مع المعتزلة في نفي الرؤية والصفات الخبرية و خلق القران ,فمن هنا عدوا فرقة برأسها منفصلة بين المعتزلة والاشاعرة .