الفصل الرابع : المعتزلة

والكلام في امور :
الأمر الأول : سبب تسميتهم بالمعتزلة
الأقوال في المسالة :
الأول : اعتزالهم عن علي ع في محاربته لمخالفيه
قال ابو محمد الحسن بن موسى النوبختى في كتابه (فرق الشيعة) ... بعد مقتل عثمان انقسموا المسلمين الى ثلاثة فرق فرقة أقامت على مبايعة علي ع وفرقة خالفت عليا وهم طلحة والزبير وعائشة وفرقة اعتزلت مع سعد بن مالك وهو سعد بن أبي وقاص ...وامتنعوا عن محاربة عليا فسموا بالمعتزلة .
الثاني : اعتزالهم الحسن بن علي ع ومعاوية
هنالك رأي يقول ان سبب التسمية هو اعتزالهم الحسن بن ع ومعاوية في مسالة الخلافة بعد أمير المؤمنين ع .
الثالث : اعتزال عامر عن مجلس الحسن البصري
روي ان عثمان بن عفان كتب الى عامر بن عبد قيس ان يسّيره الى الشام لانه يطعن عليهم ولم كتاب في التوحيد وهو الذي اعتزل الحسن البصري فسموا بالمعتزلة .
الرابع : اعتزال واصل بن عطاء عن مجلس الحسن البصري
قد عرفت حكم مرتكب الكبيرة عند الخوارج وكانت هذه المسالة لها صوت مدوي في زمن الحسن البصري فلما سألوه عن رأيه في المسالة هل هو كافر أم مؤمن ؟ اخذ يفكر مليا وقبل ان يجيب أجاب تلميذه واصل بن عطاء قال : أنا لا أقول ان صاحب الكبيرة مؤمن مطلقا ولا كافر مطلقا بل هو منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر فأخذ الحسن البصري مأخذا منه الى ان قال اعتزلنا واصل .
وهنالك أراء اخرى اعرضنا عنها فلا ثمرة في هذا البحث
الأمر الثاني : في ألقاب المعتزلة
1ـ العدلية 2ـ الموحدة لاعتقادهم انه لاقديم إلا الله تعالى 3ـ أهل الحق لاعتقادهم هم أهل الحق من الثلاثة وسبعين فرقة 4ـ القدرية نسبةً الى نفاة القدر 5ـ الثنوية لاعتقادهم ان الخير من الله والشر من الناس 6ـ الوعيدية لقولهم بالوعد والوعيد 7ـ المعطلة لقولهم بنيابة الذات عن الصفات ,وهنالك ألقاب اخرى ,لكن المشهور هو العدلية والله اعلم .
الأمر الثالث : الفوارق الفكرية بين الامامية والمعتزلة
الأول : ان الشيعة تقول بعينية الصفات ,وقالت المعتزلة بنيابة الذات عن الصفات ونفي الصفات الخبرية وتأويلها .
الثاني : قالت الامامية العمل الصالح لا يحبط بالسيئة ,وقالت المعتزلة بالإحباط
الثالث : قالت الامامية بعد خلود صاحب الكبيرة في النار ,وقالت المعتزلة بالخلود
الرابع : قالت الامامية الى جواز العفو عن السيئة إذا مات بلا توبة ,وقالت المعتزلة عدم جواز ذلك لابد من الوعيد لانه توعد ذلك .
الخامس : قالت الامامية ان الشفاعة عبارة عن إسقاط العقاب ,وقالت المعتزلة إما حط الذنوب(قصاص المظلوم من الظالم)حتى يغفر للظالم , او ترفيع الدرجة فقط
السادس : قالت الامامية صاحب الكبيرة مؤمن عاصي ,وقالت المعتزلة لا مؤمن ولا كافر بل مسلم .
السابع : قالت الامامية ان النسخ جائز وكذالك البداء ,وقالت المعتزلة ان البداء ممتنع بعد ان اتفقوا على النسخ .
الثامن : قالت الامامية لا واسطة بين الوجود والعدم ,وقالت المعتزلة بوجودها وسموها (الحال) .
التاسع : قالت الامامية ان الانسان ليس مفوض له ,وقالت المعتزلة بالتفويض
العاشر : قالت الامامية وكذا الاشاعرة ان قبول التوبة ليس بواجب بل تفضل ,وقالت المعتزلة بوجوبها .
الحادي عشر : قالت الامامية بعصمة جميع الانبياء قبل البعثة وبعدها ,وقالت المعتزلة بخلاف ذلك حيث قالوا والقول لأبي علي الجبائي ان الكبائر عليه قبل البعثة جائزة وبعدها لا ,وقال القاضي بعد الجواز مطلقا .
الثاني عشر :قالت الامامية ان وجوب الأمر والنهي عن المنكر واجب سمعا فقط ,وقالت المعتزلة سمعا وعقلا .
الثالث عشر : قالت الامامية ان جميع آباء الرسول موحدون ,وخالفت في ذلك جميع الفرق .
الرابع عشر : قالت الامامية ان الانبياء أفضل من الملائكة ,وقالت المعتزلة بخلاف ذلك .
الخامس عشر : قالت الامامية بإمكان الرجعة ووقوعها ,وقالت المعتزلة وأهل الحديث بخلاف ذلك .
السادس عشر : قالت الامامية ان الجنة والنار مخلوقان الآن ,وقالت العتزلة ذلك يوم الجزاء .
السابع عشر : قالت الامامية ان المنهج الكلام عقلي وسمعي ,وقالت المعتزلة عقلي والنص مؤول ,ولهذا نجدهم يؤولون آيات نصوص الشفاعة وغيرها .
الثامن عشر : قالت الامامية الامامة بالتنصيص ,وقالت المعتزلة والاشاعرة بالشورى وغيرها .
التاسع عشر : قالت الامامية يشترط عصمة الإمام ,وقالت المعتزلة بخلاف ذلك .
العشرون : قالت الامامية ان لناكثين أهل البصرة والقاسطين من أهل الشام كلهم كفار ,وقالت المعتزلة إنهم فساق مخلدون بالنار .
هذه أهم الفوارق الفكرية وهنالك العديد ,لكن تضاربت حولها الآراء فلهذا اعرضنا عن ذكرها .
الأمر الرابع : أئمة المعتزلة
الأول : أبو حذيفة واصل بن عطاء المعروف بالغزّال ,ودلت النصوص على انه هو المؤسس الأول لمذهب الاعتزال كما تقدم في سبب التسمية بالمعتزلة .
الثاني : عمرو بن عبيد وهو احد أعضاء حلقة الحسن البصري
الثالث : أبو الهذيل العلاف من اهل البصرة
الرابع : النظام ابراهيم بن سيّار بن هانئ النظام من مدرسة البصرة
الخامس: ابو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي
السادس : أبو هاشم الجبائي وهو عبد السلام بن ابو علي الجبائي
السابع : قاضي القضاة عبد الجبار بن احمد بن عبد الجبار الهمداني
الأمر الخامس : اصول الدين عند المعتزلة
1ـ التوحيد 2ـ العدل 3ـ الوعد والوعيد 4ـ المنزلة بين المنزلتين 5ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ومن خلال ما قدمنا في الأمر الثالث يمكن ان نفهم ما يتفرع عن كل اصل من هذه الأصول وقد بسطنا الكلام عنها وان كان بإيجاز مختصر .

الفصل الخامس : اهل الحديث
والكلام يقع في أمور
الأمر الأول : في معنى المصطلح
أهل الحديث كلمة مركبة من كلمتين الاولى تطلق على جماعة او أتباع والثانية فهي تستعمل في اللغة الى كل ما هو جديد والمراد باصطلاح أهل الكلام هم فرقة او جماعة بما أضيف الى رسول الله من حديث او قول او فعل او تقرير ,فإذا أطلق يراد به جماعة يزاولون حفظ الحديث ونقله ,وقد استغرقوا في ذلك .
الأمر الثاني : العلماء البارزون من أهل الحديث
يذكر الفضل بن شاذان يقول : منهم سفيان الثوري ويزيد بن هارون وجرير بن عبد الله و وكيع بن الجراح وقال الشهرستاني موسعا :هم أهل الحجاز وهو أتباع مالك بن انس وأصحاب إدريس ابن محمد الشافعي واصحاب احمد بن حنبل ...
الأمر الثالث : ظواهر الكتاب والحديث التي تمسكوا بها أهل الحديث
ممكن رصد عدة منها
1 ان الله تعالى يضحك
2 ان الله له يد
3 الله له عينين
4 ان الله له اصبع
5 ان الله له كلاما وصوتا
6 ان الله له ذراعين وصدرا
ومن شاء فليراجع الملل والنحل للشيخ السبحاني / ج 1
الأمر الثالث : في شبهات منكري علم الكلام
بعد ان تعرفنا على أهل الحديث جاء دور الاجابة على الشبهات التي أثارها منكري علم الكلام ,لان في تلك الفترة ظهر التحريم لعلم الكلام نظرا الى ان التمسك بالكتاب والسنة هو الحل الوحيد في فهم الدين وإنكار العقل .
الشبهة الاولى : ان العقل واساليب المنطق غير عاصمة من الخطأ ولهذا نجد كثرة الخطأ فيما بينهم .
الجواب : ان الخطأ ليس في أساس نظرية المنطق بل في التطبيق حيث اخذ فيه شرط المراعاة ,وأيضا ان المستشكل استخدم قانون منطقي في إبطال المنطق معناه (لو كان المنطق عاصم لما وجدنا من يخطأ .
الشبهة الثانية : ان الفلسفة والمنطق روجت لأجل صرف الناس عن الكتاب والسنة
الجواب : ان المتكلم لا يدعي الاستغناء عن الكتاب والسنة ,وكل ما في الأمر انه داعم للحقائق القرآنية والروائية كيف ذلك والقران نفسه داعيا للتفكر في ثلاث مئة آية , ومنها ((اولم يتفكروا)) .
الشبهة الثالثة : ان كل ما جاء عن طريق العقل مأخوذ من آثار الكفار والملاحدة
الجواب : نحن لاندعي صحة كل ما وجد من الآثار ,بل هنالك الصحيح والفاسد وأيضا هذا الاشكال مطرد عندنا .
الشبهة الرابعة : ان طريق السلف الصالح كان مبايناً لطريق الفلسفة والعرفان وكانوا يستغنون بالكتاب و السنة .
الجواب : ان السلف الصالح لم يكونوا على وتيرة واحدة فهذا علي بن ابي طالب ع كان داعيا للتفكر وما نشهده في خطبه وحكمة شاهدا على ذلك , وقال تعالى ((ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)) .
الشبهة الخامسة : وهي تنحل الى قضيتين
الاولى : عدم وجوب معرفة ما لم يرد بالكتاب والسنة
الثانية : ان العقول بريئة من معرفة صحة ما ينقض الكتاب والسنة
الجواب : ان المتكلم لا يهمه إلا معرفة ما في الكتاب والسنة فانه عندما يتلوا في قوله تعالى (( وما كان معه من الهٍ اذاً لذهب كل الهٍ بما خلق ولعلا بعضهم على بعض)) .
فهو طالب لفهم هذه الآية بمغزى عقلي تحليلي لا عن تقليد ,أكثر يقينا وتثبتا .
واما عدم وجوب معرفة غير ما جاء بالكتاب والسنة ,فهو من المصادرة على المطلوب ,لان اغلب العلوم تطلب من غير كتاب الله تعالى مثل الطب والرياضيات وان كانت معلولة له ,وهو غير مانع من تعلم سائر العلوم البشرية ,إلا ما ورد تحريمه بالآثار الصحيحة كتعلم السحر وغيره .
تتميم في أمور :
الأول : لم يكن لاهل الحديث عقائد خاصة واراء كلامية ,ولم يظهروا الى الساحة الكلامية بصورة إنهم فرقة او ملة ,بل نستطيع التعبير عنهم كل من حفظ الحديث واخذه ظاهرا
الثاني : هنالك مصطلح اخر عليهم يعرفون بالحشوية او السلفية ولقد سار هذا المنهج بعد الامام احمد بن حنبل الى ان ظهر بن تيمية كما سوف تأتي الاشارة إليه لاحقا ,نعم لو أردنا التفرقة بين الحشوية وأهل الحديث , فنتمسك بما نقله الجرجاني في التعريفات قال : ((وسميت بالحشوية حشوية لانهم يحشون الاحاديث التي لا اصل لها في الاحاديث المروية عن رسول الله)) .
الثالث : اتهام جملة من أعلام مدرسة أهل البيت ع بالتجسيم ممن صاحب الائمة الهداة ع أمثال هشام بن الحكم وهشام بن سالم ومؤمن الطاق وغيرهم ,وهو أمر عارٍ عن الصحة في شيء ,واما قول هشام بن الحكم ان الله جسم لا كالأجسام ,فهو من باب غلط العبارة وهو يرجع في إثباتها الى اللغة وأكثر العلماء يرى انه ورد على سبيل المعارضة للمعتزلة فقال لهم : إذا قلتم ان القديم تعالى شيء لا كالأشياء فقولوا انه جسم لا كالأجسام وليس كل معارض بشيء يكون معتقدا به ,بل من باب الإلزام والاحتجاج ,واما انه كان في معرض بيان عقيدته في الله تعالى فهو أمر يحتاج الى دليل ,وكتبنا مشحونة في مدح الامام الصادق ع له وكذا شيوخ المعتزلة .

الفصل السادس : المرجئة
وهنا امور عدة :
الأمر الأول : في معنى الإرجاء ؟
المرجئة على وزن المرجعة بصيغة الفاعل من ارجأ الامر :اخره وترك الهمزة لغة ,قال في لسان العرب :أرجأت الامر وارجيته اذا اخرته وقرئ ارجه وارجئه قال تعالى ((ترجى من تشاء منهن وتهوي اليك من تشاء)) .
وقال ابن الأثير في (النِّهاية): المرجئة تهمز، ولاتهمز وكلاهما بمعنى التّأخير، يقال: أرجأته وأرجيته: إذا أخّرته فنقول من الهمز رجل مرجئي، وهم المرجئة وفي النسب: مرجئي مثال مرجع ومرجعة ومرجعيّ، وإذا لم تهمز قلت: رجل مرج ومرجية ومرجيّ مثل معط ومعطية ومعطيّ .
وظاهر كلامهما أنّها مأخوذة من الإرجاء بمعنى التّأخير، ويحتمل أن يكون مأخوذاً من الرجاء أي الأمل. والمشهور هو الأوّل. وسرّ تسميتهم بالمرجئة بمعنى المؤخِّرة أحد الوجهين:
1ـ طال التشاجر في معنى الإيمان في العصر الأوّل، وحدثت آراء وأقوال حول حقيقته بين الخوارج والمعتزلة، فذهبت المرجئة إلى أنّه عبارة عن مجرّد الإقرار بالقول والّلسان وإن لم يكن مصاحباً للعمل، فأخذوا من الإيمان جانب القول، وطردوا جانب العمل، فكأنّهم قدّموا الأوّل وأخّروا الثاني واشتهروا بمقولتهم: لا تضرّ مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة
وعلى هذا، فهم والخوارج في هذه المسألة على جانبي نقيض، فالمرجئة لا تشترط العمل في حقيقة الايمان، وترى العاصي ومرتكب الذُّنوب، صغيرها وكبيرها، مؤمناً حتّى تارك الصلاة والصوم، وشارب الخمر، ومقترف الفحشاء.. والخوارج يضيّقون الأمر فيرون مرتكب الكبيرة كافراً، ولأجل ذلك قاموا بتكفير عثمان للأحداث الّتي انجرّت إلى قتله وتكفير علي ـ عليه السلام ـ لقبوله التحكيم وإن كان عن اضطرار.
ويقابلهما المعتزلة أيضاً القائلون بأنّ مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا فاسق بل في منزلة بين الأمرين فزعمت أنّها أخذت بالقول الوسط بين المرجئة والخوارج.
والقول المشهور بين السنّة والشيعة أنّه مؤمن فاسق، وسيوافيك القول في حقيقة الإيمان عند البحث عن عقائد المعتزلة والخوارج.
ولعلّه إلى ذلك الوجه أيضاً يرجع ما ذكره ابن الاثير في نهايته بأنّهم سمّوا مرجئة لاعتقادهم بأنّ الله أرجأ تعذيبهم على المعاصي، أي أخّر عنهم.
يلاحظ على هذا الوجه: أنّ القوم وإن أخّروا العمل وأخرجوه عن كونه مقوّماً للايمان أو بعضه، ولم يعتبروه جزءاً و شرطاً، ولكن لم يتّفقوا على تفسيره بالقول المجرّد، والاقرار باللّسان، بل لهم آراء في ذلك.
فاليونسيّة منهم (أتباع يونس بن عون) زعمت أنّ الإيمان في القلب واللسان. وإنّه هو المعرفة بالله، والمحبّة، والخضوع له بالقلب، والإقرار باللّسان، أنّه واحد ليس كمثله شيء .
والغسّانية (أتباع غسّان المرجئ) زعمت أنّ الإيمان هو الاقرار أو المحبّة لله تعالى،
فاكتفت بأحد الأمرين من الإقرار أو المحبّة لله إلى غير ذلك من الأقوال والآراء لهم في حقيقة الإيمان .
وعلى ضوء هذا لا يصحّ أن يقال إنّ المرجئة هم الّذين قدّموا القول وأخّروا العمل. بل أخّروا العمل جميعاً و أمّا غيره فقد اكتفوا في تحقّق الايمان تارة بالاذعان القلبي، وأُخرى بالاقرار باللسان، هذه ملاحظة بسيطة حول هذه النظرية.
الامر الثاني :عقيدة المرجئة
لا تجد للمرجئة رأياً خاصّاً في أبواب المعارف والعقائد سوى باب الايمان والكفر، فكلامهم يدور حول هذين الموضوعين وأُسّ نظريّتهم أنّ الايمان هوالتصديق بالقلب، أو التصديق بالقلب والإقرار باللسان، أو ما يقرب من ذلك، فأخرجوا العمل من حقيقة الايمان، واكتفوا بالتصديق القلبي ونحوه ويترتّب على ذلك الأصل اُمور:
1ـ إنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأنّ أمر التصديق دائر بين الوجود والعدم، ومثله تفسير الإيمان بالإقرار باللسان، فهو أيضاً كذلك وليس العمل داخلاً في حقيقته حتّى يقال: إنّ العمل يكثر ويقلّ وسيوافيك نظرنا فيه.
2ـ إنّ مرتكب الكبيرة مؤمن حقيقة، لكفاية التصديق القلبي أو الإقرار باللسان في الإتصاف بالايمان، وهؤلاء في هذه العقيدة يخالفون الخوارج والمعتزلة. أمّا الاُولى:
فلأنّهم يعدّون العمل عنصراً مؤثراً في الايمان بحيث يكون تارك العمل كافراً، وقد اشتهر عنهم بأنّ مرتكب الكبائر كافر، وليس المؤمن إلاّ من تحرّز من الكبائر.
وأماّ الثانية: فلأنهّم يعتقدون أنّ مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر. والمعتزلة أخفّ وطأة من الخوارج، وإن كانت الطائفتان مشتركتين في إدخال العمل في حقيقة الايمان.
3ـ إنّ مرتكب الكبيرة لا يخلّد في النار وإن لم يتب، ولا يحكم عليه بالوعيد والعذاب قطعاً لاحتمال شمول عفوه سبحانه له، خلافاً للمعتزلة الّذين يرون أنّ صاحب الكبيرة يستحقّ العقوبة إذا لم يتب وإنّ من مات بلا توبة يدخل النّار، وقد كتبه الله على نفسه فلا يعفو .
هذه عقيدة المرجئة عرضناها على وجه الإجمال. وقد تأثّر أهل السنّة ببعض هذه الفروع كالقول بعدم تخليد عصاة المؤمنين في النار، وجواز تخلّف الوعيد دون الوعد.
وهيهنا سؤال وهو أنّه إذا كانت حقيقة الإرجاء هو الاكتفاء في الحكم بالايمان بالتصديق القلبي، أو الإقرار باللسان، فما هو الوجه في لعنهم والتبرّي منهم، اذ ليست هذه النظرية بمجرّدها سبباً للّعن والتحاشي والتبرّي بهذه الدرجة.
والإجابة عنه: هي إنّ التبرّي منهم ليس لأجل هذه النّظرية، بل لأجل أنهّم جرّدوا الأعمال من الايمان ولم يعتقدوها من الفرائض ولم يتقيّدوا بها في مجال الفعل والترك،ولأجل ذلك أصبح الايمان عندهم يتلخّص في التصديق القلبي،والإقرار اللّفظي.
ولا يخفى أنّ هذه العقيدة خاطئة جدّاً، إذ لو صحّت فعندئذ لا يتجاوز الايمان عن التصديق القلبي أو الإقرار باللسان، فما أسهل الإسلام وأيسره لكلّ من انتسب إليه ولو انتساباً شكليّاً.
قال الصاحب بن عبّاد: ادّعت المرجئة أنّ قاتل النفس بغير الحقّ، وسارق المال، ومخيف السبل ومرتكب الزنا، وشارب الخمر، لايقطع أنّهم من أهل النار، وإن ماتوا مصرّين. وقالت العدليّة: بل هم من أهل النار مخلّدون لا يجدون عنها حولاً، لأنّ الله أخبر ( وَ إِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيم) (الانفطار/14) ولم يخصّ فاجراً عن فاجر، فقال عزّ وجلّ: (إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيم * وَإِنَّ الفُجّارَ لَفِي جَحِيمٌ ) *يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدّين )* وَ مَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ)) (الانفطار/13 ـ 16) وقال تعالى: (وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا وَ غَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)(النساء/93)
فإن قالوا فقد قال الله تعالى: (إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذِلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء/48) فالجواب أنّه تعالى قال في هذه الآية: « لمن يشاء» والمشيئة مغيّبة عنّا، إلى أن نعرفها بالأدلّة، وقد بيّن «من يشاء» بقوله: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) (النساء/31) فهو يكفّر الصغائر بتجنّب الكبائر، والكبائر بالتوبة، قال سبحانه : (وَ أَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلُ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) (الزمر/54 .
وهنا وجه آخر للعنهم وهو يرجع إلى قولهم بالإرجاء بالمعنى الأوّل أعني التوقّف في أمر الامام عليّ أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وعدم الحكم بشيء فيه من الإيمان وضدّه. وأيّ مصيبة أعظم من التوقّف في ايمان أخي رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم وصنوه ووزيره، وهو الصدّيق الأكبر، وأوّل المؤمنين. قال ـ صلوات الله عليه ـ: «ولقد كنت أتّبعه (الرسول) اتّباع الفصيل أثر اُمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يجاور في كلّ سنة بـ(حراء)، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللّهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم وخديجة وأنا ثالثهما. أرى نور الوحي والرسالة وأشمّ ريح النبوّة .
أفي مثله يتوقّف الإنسان المنصف في الحكم بإيمانه؟

الامر الثالث : بحث في الإيمان
إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تبيين حقيقة الإيمان وتحديده لغةً وكتاباً وسنّةً.
1ـ آراء ونظريات حول الإيمان:
اختلف العلماء في ماهيّة الإيمان ولهم أقوال أربعة نعرضها مع التحليل:
1ـ الايمان هو معرفة الله بالقلب فقط، وإن أظهر اليهوديّة، والنصرانية، وسائر أنواع الكفر بلسانه، فإذا عرف الله بقلبه فهو مؤمن. نسب إلى الجهم بن صفوان وغيره.
2ـ إنّ الايمان هو إقرار باللّسان بالله تعالى وشريعته، وإن اعتقد الكفر بقلبه، فإذا فعل ذلك فهو مؤمن، وهو قول محمد بن كرّام السجستاني.
3ـ الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وأنّ الأعمال ليست إيماناً، ولكنّها شرائع الايمان، وهو قول جماعة من الفقهاء وهو الأقوى كما سيوافيك.
4ـ الايمان هو المعرفة بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، وأنّ كلّ طاعة واجبة، بل الأعمّ منها ومن النافلة فهي إيمان وكلّما ازداد الإنسان عملاً إزداد ايماناً، وكلّما نقص نقص إيمانه .

وإليك تحليل الآراء والأقوال:
2ـ ما هو الإيمان لغةً وكتاباً:
إنّ الإيمان لغة هو التصديق، وهو على وزن «إفعال» من الأمن بمعنى سكون النفس واطمئنانها لعدم وجود سبب الخوف، فحقيقة قوله «آمن به» : أذعن به، وسكنت نفسه، واطمأنّت بقبوله فيؤول «الباء» في الحقيقة إلى السببية، وهو تارة يتعدّى
بالباء كما في قوله تعالى: (آمنّا بما أنْزَلْت) «آل عمران/53) واُخرى باللام كقوله سبحانه: (وما أنتَ بِمُؤْمِن لَنا)(يوسف/17) وقوله تعالى: (فآمَنَ لَهُ لُوطٌ)(العنكبوت/26).
فإذا كان الإيمان بمعنى التّصديق لغة، فهل يكفي التصديق لساناً فقط، أو جناناً فقط، أو لا يكفي هذا ولا ذاك، بل يشترط الجمع، والظّاهر من الكتاب العزيز هو الأخير. فالإيمان بمقتضى الآيات عبارة عن التّصديق بالقلب، الظّاهر باللسان، أو ما يقوم مقامه، ولا يكفي واحد منهما وحده. أمّا عدم كفاية التصديق القلبي فلقوله تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُم ظُلْماً وَ عُلُوّاً) (النمل/14) وقوله سبحانه:(فَلَمّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) (البقرة/89) فأثبت لليهود المعرفة وفي الوقت نفسه الكفر. وهذا يعرب عن أنّ الاستيقان النفساني لا بدّ له من مظهر كالإقرار باللسان، أو الكتابة، أو الإشارة كما في الأخرس.
ويمكن أن يقال إنّه يكفي التّصديق القلبي، ولكنّ الإنكار باللسان مانع، فلو علم أنّه مذعن قلباً، ولم ينكره لساناً، لكفى في الحكم بالايمان، كما كفى في تحقّقه واقعاً.
وأمّا عدم كفاية التّصديق اللّساني فلقوله تعالى : (قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَ لمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلوبِكُمْ) (الحجرات/14) والأعراب صدّقوا بألسنتهم، وأنكروه بقلوبهم أو شكّوا فيه. وهؤلاء جروا في توصيف أنفسهم بالايمان على مقتضى اللّغة، وادّعوا أنّهم مصدّقون قلباً وجناناً، فردّ الله عليهم بأنّهم مصدّقون لساناً، لا جناناً، وأسماهم مسلمين، ونفى كونهم مؤمنين.
وعلى ضوء هذه الآيات يتبيّن فساد القولين الأولين وتظهر قوةّ القول الثالث وهو كون الايمان لغة: هو التّصديق القلبي، لكنّ الكتاب العزيز دلّ على عدم كفاية التصديق القلبي وأنّه يشترط أن يكون معه إقرار أو ما يقوم مقامه من الكتابة والإشارة يدلّ على التسليم الباطني، وقد عرفت ما احتملناه أخيراً.
وأمّا الأثر المترتّب على الإيمان بهذا المعنى في الدنيا فهو حرمة دمه وعرضه وماله
إلاّ أن يرتكب قتلاً أو يأتي بفاحشة.وأمّا الأثر المترتّب عليه في الآخرة فهو صحّة أعماله واستحقاق الثواب عليها ـ لو قام بها ـ وعدم الخلود في النار، واستحقاق العفو والشفاعة.
وأمّا السّعادة الاُخرويّة فهي رهن العمل كما يأتي بيانه. فمن صدّق لساناً وجناناً، ولكن تجرّد عن العمل والامتثال، فهو مؤمن فاسق، وليس بكافر (خلافاً للخوارج) ولا هو في منزلة بين المنزلتين أي بين الايمان والكفر (خلافاً للمعتزلة) ولا يكفي في النّجاة، بل ـ إن لم يتب ـ يدخل النار ويعذّب فيها.
وهذه هي النقطة الّتي يفترق فيها أهل الحقّ عن المرجئة، فإنّهم يقولون إنّ التصديق لساناً أو جناناً أو معاً، يكفي في النجاة من النار و دخول الجنّة، ويثيرون في العصاة روح الطغيان على المُثل والأخلاق، اعتماداً على أنّهم مؤمنين وإن فعلوا الكبائر وارتكبوا الموبقات. هذا هو الحقّ القراح، وإليك تحليل أدلّة سائر الأقوال على ضوء الأقوال الّتي سردناها في صدر البحث.
3ـ هل الايمان هو التصديق القلبي؟
استدلّ القائل بأنّ الإيمان هو التّصديق القلبي مضافاً إلى ما مرّ من الآيات في صدر البحث بأنّ القرآن نزل بلسان عربيّ مبين، وخاطبنا الله بلغة العرب، وهو في اللغة التصديق، والعمل بالجوارح لايسمّى ايماناً.
يلاحظ عليه: أنّه يكفي في إثبات خروج العمل عن حقيقة الايمان، وأمّا كون التصديق بالقلب كافياً في صدق الايمان فلا يثبته، كيف وقد دلّت الآية على أنّ الجحد لساناً أو بغيره، والاستيقان قلباً يوجب دخول الجاحد في عداد الكفّار. قال سبحانه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا ظُلْماً وَعُلُوّاً) (النمل/14 .
غاية ما يمكن أن يقال ما عرفت من أنّ التصديق القلبي كاف في تحقّق الايمان، والجحد لساناً مانع، فلو تحقّق التصديق القلبي ولم يقترن بالجحد عناداً لكفى في كون الرجل مؤمناً ثبوتاً وواقعاً، وأمّا الحكم بكونه مؤمناً إثباتاً فيحتاج إلى إظهاره باللسان، أو بالعمل، أو العلم بكونه معتقداً بطريق من الطّرق.
ثمّ إنّ ابن حزم الظاهري (ت456هـ) أورد على هذا القول بوجهين:
الأوّل: أنّ الإيمان في اللغة ليس هو التصديق، لأنّه لا يسمّي التصديق بالقلب دون التصديق باللسان ايماناً في لغة العرب، وما قال قطّ عربيّ إنّ من صدّق شيئاً بقلبه فأعلن التكذيب بلسانه، أنّه يسمّى مصدّقاً به ولا مؤمناً به. وكذلك ما سمّى قطّ التصديق باللسان دون التصديق بالقلب إيماناً في لغة العرب أصلاً.
الثاني: لو كان ما قالوه صحيحاً لوجب أن يطلق إسم الايمان لكلّ من صدّق بشيء ما، ولكان من صدّق بإلهيّة الحلاّج والمسيح والأوثان مؤمنين، لأنّهم مصدّقون بما صدّقوا به .
يلاحظ عليه: أنّ الوجه الأوّل صحيح لو رجع إلى ما ذكرنا من كون الإنكار باللسان مانعاً وإلاّ فلو صدّق قلباً ولم ينكره بلسانه فهو مؤمن لغةً وقرآناً. غير أنّ الحكم في مقام الإثبات يحتاج إلى الدليل من الإقرار باللسان، أو الكتابة باليد، أو الإشارة بالجوارح.
وأمّا الوجه الثّاني، فهو من الوهن بمكان لا يحتاج إلى البيان وكم لهذا الرجل من كلمات واهية. أضف إليه ما في كتابه من بذاءة في الكلام وتحرّش بالسباب وتحكّك بالوقيعة.
4ـ هل الإيمان هو الإقرار باللسان؟
إنّ النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم وأصحابه ومن بعدهم، اتّفقوا على أنّ من أعلن بلسانه بشهادة الإسلام فإنّه عندهم مسلم محكوم له بحكم الإسلام.
أضف إليه قول رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم في السوداء (اعتقها فإنّها مؤمنة) .
يلاحظ عليه: أنّ الحكم لهم بالإيمان كان بحسب الظّاهر لا الحكم بأنّه مؤمن عند الله واقعاً، ولذلك لو علم عدم مطابقة اللّسان مع الجنان يحكم عليه بالنفاق. قال سبحانه: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَ بِاليَوْمِ الآخِرِ وَ مَا هُمْ بِمُؤمِنِينَ)(البقرة/8). ولمّا كان الرسول وأصحابه مأمورين بالحكم بحسب الظاهر قال رسول اللّه صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: «أُمرت أن اُقاتل الناس حتّى يشهدوا أن لا إله الاّ الله ويؤمنوا بما اُرسلت به، فإذا عصموا منّي دماءُهم وأموالهم إلاّ بحقّها، وحسابهم على الله» وبذلك يظهر وجه حكمه صلَّى الله عليه و آله و سلَّم في السوداء «بأنّها مؤمنة».
روى ابن حزم عن خالد بن الوليد أنّه قال: ربّ رجل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: إنّي لم اُبعث لأشقّ عن قلوب الناس.
إلى هنا تبيّن فساد القولين الأوّلين، وأنّ الحقّ هو القول الثالث، وعرفت الأثر المترتّب عليه، إنّما المهم هو نقد القول الرابع الّذي يجعل العمل جزءاً من الإيمان وإليك البحث فيه:
5 ـ ليس العمل جزءاً من الإيمان:
إذا كانت المرجئة في جانب التّفريط، فالخوارج المكفّرة لمرتكبي الكبائر، والمعتزلة القائلة بأنّ من فقد العمل، فهو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، في جانب الإفراط. فإنّ الذكر الحكيم ـ مع الدعوة المؤكّدة إلى العمل ـ لا يرى العمل جزءاً من الإيمان بل يعطفه عليه، ويراه كمالاً له، لا عنصراً دخيلاً فيه. ويكفي في ذلك الآيات التالية:
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحَاتِ) (البقرة/277) فالعطف يقتضي المغايرة، فلو كان العمل داخلاً فيه لزم التكرار، واحتمال كون المقام من قبيل ذكر الخاص بعد العام يحتاج الى وجود نكتة لذكره بعده، إلاّ أن يقال: إنّ الصالحات جمع معرّف يشمل الفرض والنفل، والقائل بكون العمل جزءاً من الإيمان يريد بها خصوص فعل الواجبات واجتناب المحرّمات، فحينئذ يصحّ عطف الخاص على العام لحصول المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه.
نعم، الآية تصلح دليلاً على ردّ مقالة من جعل مطلق العمل ـ فرضاً كان أو نفلاً ـ جزءاً من الإيمان.
(وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ) (طه/112) والجملة حالية والمقصود: عمل صالحاً حال كونه مؤمناً، وهذا يقتضي المغايرة.
(وَ إِنْ طِائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إْحْدَاهُمَا عَلَى الاُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللّهِ) (الحجرات/9) فأطلق المؤمن على الطائفة العاصية وقال ما هذا معناه: «فان بغت احدى الطائفتين من المؤمنين على الطائفة الاُخرى منهم» إلاّ أن يقال: إنّ اطلاق المؤمن بلحاظ حال التلبّس أي بما أنّهم كانوا مؤمنين قبل القتال، لا بلحاظ حال الجري والتكلّم.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ) (التوبة/ 119). فأمر الموصوفين بالايمان، بالتقوى، أي الاتيان بالطاعات والاجتناب عن المحرّمات، فدلّ على أنّ الايمان يجتمع مع عدم التقوى وإلاّ كان الأمربه لغواً وتحصيلاً للحاصل، إلاّ أن يحمل الأمر على الإستدامة فيخرج عن كونه تحصيلاً للحاصل.
5ـ الآيات الدالّة على كون القلب محلاّ ً للايمان.
منها قوله تعالى: (اُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ) (المجادلة /22). ولو كان العمل جزءاً منه لما كان القلب محلا لجميعه. وقوله سبحانه : (وَلمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي )
6ـ هل العمل جزء من الايمان؟
احتجّ القائل بأنّ العمل جزء من الإيمان بآيات:
1 ـ قوله سبحانه: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيماناً مَعَ إِيْمَانِهِمْ) (الفتح/4). ولو كانت حقيقة الايمان هي التّصديق، لما قبل الزيادة والنقيصة، لأنّ التصديق أمره دائر بين الوجود والعدم. وهذا بخلاف ما لو كان العمل جزءاً من الايمان. فعندئذ يزيد وينقص حسب زيادة العمل ونقيصته. والزيادة لا تكون إلاّ في كمّية عدد لا في ما سواه، ولا عدد للاعتقاد ولا كمّية له (2).
يلاحظ عليه: أنّ الايمان بمعنى الإذعان أمر مقول بالتّشكيك. فلليقين مراتب، فيقين الإنسان بأنّ الإثنين نصف الأربع، يفارق يقينه في الشدّة والظهور، بأنّ نور القمر مستفاد من الشّمس، كما أنّ يقينه الثاني، يختلف عن يقينه بأنّ كلّ ممكن فهو زوج تركيبي له ماهيّة ووجود، وهكذا يتنزّل اليقين من القوّة إلى الضّعف، إلى أن يصل إلى أضعف مراتبه الّذي لو تجاوز عنه لزال وصف اليقين، ووصل إلى حدّ الظنّ، وله أيضاً مثل اليقين درجات ومراتب، ويقين الإنسان بالقيامة ومشاهدها في هذه النشأة ليس كيقينه بعد الحشر والنشر، ومشاهدتها بأُمّ العين. قال سبحانه: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَة مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَومَ حَدِيد) (ق/22) فمن ادّعى بأنّ أمر الايمان بمعنى التّصديق والإذعان، دائر بين الوجود والعدم، فقد غفل عن حقيقته ومراتبه. فهل يصحّ لنا أن ندّعي أنّ ايمان الأنبياء بعالم الغيب، كإيمان الانسان العادي، مع أنّ مصونيّتهم من العصيان والعدوان رهن علمهم بآثار المعاصي وعواقبه، الّذي يصدّهم عن اقتراف المعاصي وارتكاب الموبقات. فلو كان إذعانهم كإذعان سائر الناس، لما تميّزوا بالعصمة عن المعصية. وما ذكره من أنّ الزيادة تستعمل في كمّية العدد منقوض بآيات كثيرة استعملت الزيادة فيها في غير زيادة الكمّية. قال سبحانه: (وَ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ وَ يَزِيدُهُمْ خُشُوعاً)(الاسراء /109). وقال: (وَ لَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا القُرآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَ مَا يَزِيدُهُمْ إلاّ نُفُوراً)(الاسراء/41). والمراد شدّة خشوعهم ونفورهم، لا كثرة عددهما، إلى غير ذلك من الآيات الّتي استعمل فيها ذلك اللّفظ في القوّة والشدّة لا الكثرة العدديّة.
2 ـ قوله سبحانه: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) (البقرة/143) وإنّما عنى بذلك صلاتهم إلى بيت المقدس قبل أن تنسخ بالصّلاة إلى الكعبة.
يلاحظ عليه: أنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة، ولا نشكّ في أنّ العمل أثر للاذعان وردّ فعل له، ومن الممكن أن يطلق السبب ويراد به المسبّب. إنّما الكلام في أنّ الإيمان لغةً وكتاباً موضوع لشيء جزؤه العمل وهذا ممّا لا يثبته الإستعمال. أضف إليه أنّه لو أخذنا بظاهرها الحرفي، لزم أن يكون العمل نفس الإيمان لا جزءاً منه، ولم يقل به أحد.
3ـ قوله سبحانه: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً ممّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء/65). أقسم سبحانه
بنفسه أنّهم لا يؤمنون إلاّ بتحكيم النّبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم والتسليم بالقلب وعدم وجدان الحرج في قضائه. والتحكيم غير التصديق والتسليم، بل هو عمل خارجي.
يلاحظ عليه: أنّ المنافقين ـ كما ورد في شأن نزول الآية ـ كانوا يتركون النّبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم ويرجعون في دعاويهم إلى الأحبار وـ مع ذلك ـ كانوا يدّعون الإيمان بمعنى الإذعان والتسليم للنّبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم، فنزلت الآية بأنّه لايقبل منهم ذلك الإدّعاء حتّى يرى أثره في حياتهم وهو تحكيم النبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم في المرافعات، والتسليم العملي أمام قضائه، وعدم إحساسهم بالحرج ممّا قضى. وهذا ظاهر متبادر من الآية وشأن نزولها. فمعنى قوله سبحانه: (فلا وربّك لا يؤمنون)، أنّه لا يقبل ادّعاء الايمان منهم إلاّ عن ذلك الطّريق.وبعبارة ثانية; إنّ الآية وردت في سياق الآيات الآمرة بإطاعة النّبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم قال سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إلاّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ)(النساء/64) والمنافقون كانوا يدّعون الايمان، وفي الوقت نفسه كانوا يتحاكمون إلى الطّاغوت. فنزلت الآية، وأعلنت أنّ مجرّد التصديق لساناً ليس إيماناً. بل الايمان تسليم تامّ باطني وظاهري.فلا يستكشف ذلك التسليم التامّ، إلاّ بالتسليم للرّسول ظاهراً، وعدم التحرّج من حكم الرّسول باطناً، وآية ذلك ترك الرُّجوع إلى الطّاغوت ورفع النزاع إلى النّبي، وقبول حكمه بلا حرج. فأين هو من كون نفس التحكيم جزءاً من الإيمان؟
4ـ قوله سبحانه: (وَللّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ سَبِيلاً وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ) (آل عمران/97) سمّى سبحانه تارك الحجّ كافراً.
يلاحظ عليه: أنّ المراد إمّا كفران النّعمة وأنّ ترك المأمور به كفران لنعمة الأمر، أو كفر الملة لأجل جحد وجوبه.
5ـ قوله سبحانه: (وَمَا اُمِرُوا إلاّ لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلوةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكَوةَ وَ ذَلِكَ دِينُ القَيِّمَة) (البيّنة/5). والمشار اليه بلفظة «ذلك» جميع ما جاء بعد «إلاّ» من إقامة الصّلاة وإيتاء الزّكاة، فدلّت هذه الآية على دخول العبادات في ماهية الدين.
والمراد من الدّين، هو الإسلام لقوله سبحانه (إنّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الإسلام)(آل عمران/19 .
وعلى ضوء هذا، فالعبادات داخلة في الدّين حسب الآية الاُولى، والمراد من الدين هو الإسلام حسب الآية الثانية، فيثبت أنّ العبادات داخلة في الإسلام، وقد دلّ الدّليل على وحدة الإسلام والإيمان وذلك بوجوه:
الف ـ الإسلام هو المبتغى لقوله: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)(آلعمران / 85) والايمان أيضاً هو المبتغى، فيكون الإسلام والايمان متّحدين.
ب ـ قوله سبحانه: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ بَلِ اللّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ للإيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (الحجرات / 17) فجعل الاسلام مرادفاً للايمان.
ج ـ قوله سبحانه: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ المؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْت مِنَ المُسْلِمِينَ)) (الذاريات / 35 ـ 36) وقد اُريد من المؤمنين والمسلمين معنى واحداً، فهذه الآيات تدل على وحدة الإسلام والايمان. فإذا كانت الطّاعات داخلة في الإسلام فتكون داخلة في الإيمان أيضاً لحديث الوحدة(1).
يلاحظ عليه
أوّلاً: أنّه من المحتمل قوياً أن يكون المشار إليه في قوله (وذلك دين القيّمة) هو الجملة الاُولى بعد «إلاّ» أعني (ليعبدوا الله مخلصين له الدّين) لا جميع ما وقع بعدها من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والمراد من قوله (ليعبدوا الله مخلصين له الدين) هو إخلاص العبادة لله، كإخلاص الطّاعة(2) له، والشّاهد على ذلك قوله سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ )لِلدّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّهِ الَّتِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذِلِكَ الدّينُ القَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ)(الروم / 30). فإنّ وزان قوله (ذلك الدّين القيّم) وزان قوله (ذلك دين القيّمة)والمشار إليه في الجملة الاُولى هو الدّين الحنيف الخالص عن الشرك، بإخلاص العبادة والطّاعة له سبحانه.
ثانياً : يمنع كون العبادات داخلة في الإسلام حتّى في قوله سبحانه: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الإسلام) وقوله تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلامِ دِيناً...) لأنّ المراد منه هو التّسليم أمام الله وتشريعاته، بإخلاص العبادة والطّاعة له في مقام العمل دون غيره من الأوثان والأصنام، وبهذا المعنى سمّي إبراهيم «مسلماً» في قوله تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً ولانَصْرانِياً وَلكِنْ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ مَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ)(آل عمران / 67) وبهذا المعنى طلب يوسف من ربّه أن يميته مسلماً قال سبحانه حكاية عنه: (تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ) (يوسف / 101) إلى غير ذلك من الآيات الواردة حول إخلاص العبادة له، والتجنّب من الشّرك، فلو فرض أنّ العبادة داخلة في مفهوم الدّين،فلا دليل على دخولها في مفهوم الإسلام.
ثالثاً: نمنع كون الإسلام والايمان بمعنى واحد، فالظّاهر من الذّكر الحكيم اختلافهما مفهوماً. قال سبحانه: (قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلِكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَ لمّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلوبِكُمْ)(الحجرات / 13) فلو استعمل الإسلام أو المسلمين وأُريد منهما الإيمان والمؤمنين في مورد أو موردين، فهو لوجود قرينة تدلّ على أنّ المراد من العامّ هو الخاصّ.
إلى غير ذلك من الآيات الّتي جمعها ابن حزم في الفصل ولا دلالة فيها على ما يرتئيه، و الإستدلال بهذه الآيات يدلّ على أنّ الرّجل ظاهريّ المذهب إلى النّهاية يتعبّد بحرفيّة الظواهر، ولا يتأمّل في القرائن الحافّة بالكلام وأسباب النّزول.
نعم هناك روايات عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ تعرب عن كون العمل جزءاً من الإيمان وإليك بعضها:
1 ـ روى الكراجكي عن الصّادق أنّه قال: «ملعون ملعون من قال: الإيمان قول بلا عمل .
2 ـ روى الكليني عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السلام ـ قال: «قيل لأمير المؤمنين ـ عليه السلامـ: من شهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله كان مؤمناً؟ قال: فأين فرائض الله؟ قال: وسمعته يقول: كان عليّ ـ عليه السلام ـ يقول: لو كان الإيمان كلاماً لم ينزل فيه صوم، ولا صلاة، ولا حلال، ولا حرام، قال: وقلت لأبي جعفر ـ عليه السلام ـ: إنّ عندنا قوماً يقولون: إذا شهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله فهو مؤمن قال: فلم يضربون الحدود؟ ولم تقطع أيديهم؟ وما خلق الله عزّ وجلّ خلقاً أكرم على الله عزّ وجلّ من المؤمن، لأنّ الملائكة خدّام المؤمنين وأنّ جوار الله للمؤمنين، وأنّ الجنّة للمؤمنين، وأنّ الحور العين للمؤمنين، ثمّ قال: فما بال من جحد الفرائض كان كافراً .
والمراد من «جحد الفرائض» تركها عمداً بلا عذر، لا جحدها قلباً وإلاّ لما صلح للاستدلال.
3 ـ روى الكليني عن محمّد بن حكيم قال: قلت لأبي الحسن ـ عليه السلام ـ: الكبائر تخرج من الايمان؟ فقال: نعم وما دون الكبائر، قال رسول اللّه صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن .
وجملة القول :
1 ـ مجرّد التصديق بالعقائد الحقّة، وقد عرفت ثمرته وهي حرمة دمه وعرضه وماله، وبه يناط صحّة الأعمال واستحقاق الثّواب، وعدم الخلود في النار، واستحقاق العفو والشفاعة.
2 ـ التصديق بها مع الاتيان بالفرائض الّتي ثبت وجوبها بالدّليل القطعي كالقرآن، وترك الكبائر الّتي أوعد الله عليها النّار، وبهذا المعنى أطلق الكافر على تارك الصلاة، ومانع الزّكاة، وتارك الحجّ، وعليه ورد قوله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم «لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن» وثمرة هذا الايمان عدم استحقاق الإذلال والإهانة والعذاب في الدنيا والآخرة.
الامر الرابع : المرجئة والفرق الاُخرى:
الانسان يتصوّر بادئ بدء أنّ المرجئة كسائر الطّوائف لهم آراء في جميع المجالات الكلاميّة، خاصّة بهم، يفترقون بها عن غيرهم، ولكن سرعان ما يتبيّن له أنّ الأصل المقوّم للمرجئة هو مسألة تحديد الإيمان والكفر. وأمّا الموضوعات الاُخرى فليس لهم فيها رأي خاصّ. ولأجل ذلك تفرّقوا في آخر أمرهم إلى فرق متبدّدة ومتضادّة. فترى مرجئياً يتّبع منهج الخوارج، ومرجئياً آخر يقتفي أثر القدريّة، وثالثاً يشايع الجبريّة. وما هذا إلاّ لأنّ الإرجاء قام على أصل واحد وهو تحديد الايمان بالإقرار او باللسان أو المعرفة القلبية. وأمّا الاُصول الأخرى فليس لهم فيها رأي خاصّ قطّ. وصار هذا سبباً لذوبانهم في الفرق الأخرى وتفرّقوا على الفرق التالية:
1 ـ مرجئة الخوارج، 2 ـ مرجئة القدرية، 3 ـ مرجئة الجبرية، 4 ـ المرجئة الخالصة.
وهذه الطّوائف بعضها بالنسبة إلى بعض على نقيض، فمرجئة القدريّة تقول بالاختيار والحريّة للإنسان، ومرجئة الجبريّة تنكره. ومع ذلك كلّه فالطائفتان تستظلاّن تحت سقف واحد، وهو الإرجاء، وإن اختلفوا في سائر المسائل. نعم يوجد هناك مرجئة خالصة لم يتكلّموا بشيء في بقيّة المسائل وذكر الشهرستاني لهم طوائف ستّ وهي:
1 ـ اليونسيّة 2 ـ العبيديّة 3 ـ الغسّانيّة 4 ـ الشعبانيّة 5 ـ التومينية 6 ـ الصالحيّة.
وهؤلاء لم يتكلّموا إلاّ في الإرجاء واختلفوا في تحديد الإيمان بعد إخراج العمل منه، وتركوا البحث عن سائر الموضوعات، بخلاف الطّوائف الثلاث المتقدّمة((1ـ مرجئة الخوارج، 2ـ مرجئة القدرية، 3ـ مرجئة الجبرية)). فإنّهم اشتركوا في الإرجاء واختلفوا في سائر الموضوعات. فمن مرجئيّ سلك مسلك الخوارج، يبغض عثماناً وعليّاً، ويناضل ضدّ الحكّام، إلى آخر يتفيّأ بفيء القدريّة يحترم الخلفاء الأربع، ويرى الانسان فاعلاً مختاراً وفعله متعلّقاً بنفسه. إلى ثالث يركب مطيّة الجبر ويرى الإنسان أداة طيّعة للقضاء والقدر.