المقدمة الثاني عشر : نظرة عامة الى تاريخ المذاهب والفرق الكلامية

وهي المقدمة الأخيرة من هذه المقدمات , و أطولها مما استدعى مني ان اجعلها مرتبة على فصول .
الفصل الأول : أول بذرة التفرقة
والحقيقة هنا على سبيل التفصيل : ما قد أخرجه أصحاب الصحاح وسائر أهل المسانيد ، وأرسله أهل السير والأخبار إرسال المسلمات .
واليك الآن بعض ما أخرجه البخاري : بسنده إلى عبيد الله بن عبد الله بن مسعود عن ابن عباس قال : لما حضر رسول الله صلى الله عليه وآله وفي البيت رجال فيهم عمر ابن الخطاب . قال النبي صلى الله عليه وآله : " هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده فقال عمر : ان النبي قد غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله . فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم من يقول : قربوا يكتب لكم النبي كتابا لن تضلوا بعده ، ومنهم من يقول : ما قال عمر ، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله : قوموا - قال عبيد الله بن عبد الله بن مسعود - : فكان ابن عباس يقول : ان الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم . أه‍ بنصه
ورواه أحمد بن حنبل في مسنده من حديث ابن عباس, وسائر أصحاب السنن والأخبار ، وقد تصرفوا فيه فنقلوه بالمعنى ، لان لفظه الثابت : " ان النبي يهجر " لكنهم ذكروا أنه قال : " ان النبي قد غلب عليه الوجع " تهذيبا للعبارة ، واتقاء فظاعتها .
ويدل على ذلك ما أخرجه أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة بالإسناد إلى ابن عباس ، قال : لما حضرت رسول الله الوفاة وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، قال رسول الله : " ائتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتابا لا تضلون بعده قال : فقال عمر كلمة معناها أن الوجع قد غلب على رسول الله ( ص ) ثم قال : عندنا القرآن حسبنا كتاب الله . فاختلف من في البيت واختصموا فمن قائل يقول : القول ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله ، ومن قائل يقول : القول ما قال عمر فلما ، أكثروا اللغط واللغوا والاختلاف غضب صلى الله عليه وآله فقال : قوموا . . " ( الحديث ) وتراه صريحا بأنهم إنما نقلوا معارضة عمر بالمعنى لا بعين لفظه . ويدلك على هذا أيضا أن المحدثين حيث لم يصرحوا باسم المعارض يومئذ نقلوا المعارضة بعين لفظها .
وأخرج مسلم في كتاب الوصية من الصحيح عن سعيد بن جبير من طريق آخر عن ابن عباس ، قال : " يوم الخميس وما يوم الخميس " ثم جعل تسيل دموعه حتى رؤيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ائتوني بالكتف والدواة أو اللوح والدواة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا فقالوا : ان رسول الله يهجر " . ومن ألم بما حول هذه الرزية من الصحاح يعلم ان أول من قال يومئذ : " هجر رسول الله " إنما هو عمر
بعد وفاة النبي (ص) واجهت المسلمين مسألة من سيكون الخليفة من بعده ؟ وتقدم ذكر أراء الفريقين في نظام الحكم ,وكانت تلك المشكلة الاولى في افتراق المسلمين الى فريق يؤمن بأن الخلافة للامام علي بن أبي طالب بنص من النبي (ص) , وفريق لايؤمن بذلك. الذين لم يؤمنوا بأحقية علي بن أبي طالب في الخلافة خرجوا من مسجد النبي (ص) والنبي مُسجى , وذهبوا الى منطقة في المدينة يقال لها السقيفة. السقيفة هي ساحة في يثرب ( المدينة المنورة) تم فيها تنصيب الخليفة الأول أبو بكر والنبي (ص) لم يُدفن بعد .
فيما يلي الشخصيات الرئيسية التي كانت حاضرة في السقيفة وينقسمون الى جماعتين , الجماعة الاولى وهم أهل مكة من قبيلة قريش ويسمون بالمهاجرين, والثانية هم أهل المدينة (يثرب) ويسمون بالأنصار لأنهم نصروا النبي (ص) في دعوته.
الخليفة الأول ابوبكر بن أبي قحافة ( مهاجر من قبيلة قريش )
عمر بن الخطاب ألعدوي ( مهاجرمن قبيلة قريش )
أبو عبيدة عامر بن الجراح (مهاجر من قبيلة قريش )
عبد الرحمن بن عوف الزهري (مهاجر من قريش)
سعد بن عبادة ألخزرجي ( أنصاري من أهل المدينة وهو سيد قبيلة الخزرج , معارض لخلافة أبي بكر )
الحباب بن منذر . ( أنصاري من أهل المدينة)
زيد بن ثابت ( أنصاري من المدينة من المؤيدين للخليفة أبو بكر, يهودي الأصل . سيرته ستأتي في فصل دور اليهود في المؤامرة )
أسيد بن حضير الكتائب الأوسي( أنصاري من سادات قبيلة الأوس الأنصارية من المؤيدين لأبي بكر وحزبه لحسده لسيد الخزرج سعد بن عبادة , كان أسيد من المتخلفين عن معركة بدر كما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج14
بشير بن سعد ( أنصاري من أهل المدينة من المؤيدين لأبي بكر ومن الحسودين لسيد الخزرج سعد بن عبادة)
أقول : حيث كانت مسالة الخلافة هي أول بذرة التفرقة كما هو ملحوظ ,و أول بداية انشقاق المسلمين ,لكن لم تكن هذه المسالة بالحد الذي يجعلها أول مسالة عقائدية كلامية مأخوذ فيها طابع الجدل والنقاش الكلامي , وذلك من أمرين :
الأول : إنها وان كانت مسألة عقائدية ,لكن هي سياسية في نظر المنشقين نظرا لإطماعهم في المنصب والراسية .
الثاني : ان الأمر كان دائر بين مؤيد ونافي من حيث اختيار الشخص المناسب لمنصب الخلافة , ولم يكن لديهم خلاف حول علي بن أبي طالب عليه السلام ليس هو بخليفة .

الفصل الثاني : سبب نشوء افتراق المسلمين (أسباب التشتت الفكري)
في هذا الفصل نحاول ان نفهم منشأ افتراق المسلمين ,والعوامل التي أدت الى ذلك الانصياع وراء الأهواء , الأمر الذي كان له الاساس في افتراق المسلمين الى فرق كلامية ناهضة بالآراء والمشاحنات الفكرية الذي أدى اغلبها الى التكفير وزرع الفتنة في نفوس المسلمين حيث كانت هذه المنازعات لها الأثر الكبير في ذلك كما سوف يتضح لك في الفصول اللاحقة ان شاء الله تعالى وقبل البدء لنا تعقيب على كلام المصنف صاحب بداية المعرفة قال : ((ثم حدثت بعد ذلك لم يأخذ البحث فيها طابع النقاش والجدل الكلامي إلا بعد مدة من الزمن بصورة : حكم الخروج على طاعة الأمام وحاكم المسلمين ,وهل يخرج المذنب بذلك عن الإيمان او لا ؟ ...الخ)) .
وجملة القول ان اصحاب هذه الزعامات كانت هي مجمل اعتقاداتهم من دون ان يخوضوا في مناقشة ارائهم ,بل هي محض استنتاجاتهم الفكرية تبعا لارائهم الخاصة وتفسيرهم الذوقي في عقائدهم من دون التحكيم والرجوع لكتاب الله وسنته ,وسوف نذكر من تلك العقائد التي لم يكن الجدل الكلامي رائدا في مبتنياتها ,كما سوف نبينه في الفصل الرابع ان شاء الله تعالى , وألان لنا ان نتساءل عن سبب افتراق المسلمين وما هي ابرز العوامل التي أدت الى ذلك ؟
الجواب : ممكن ان نرصد في المقام ثلاثة عوامل رئيسية :
العامل الأول : ابتعاد الأمة عن أهل البيت عليهم السلام
يبدو ان هذا العامل هو أهم العوامل الرئيسية التي أدت الى ضياع الناس وتشتت أمر شريعتهم فضلا عن عقائدهم ,بل من هذه الناحية كان له الأولوية في تناثرهم الى الأباطيل ونتيجة ذلك لم ينهل المسلمون من علوم أهل البيت ع وتركوا وصيته بالتمسك بهم وركوب سفينتهم ,وهذا ما قررته نفس كتب العامة لنا ,فهذا بن تيمية يذكر في منهاج السنة حيث يقول : ((فليس في الائمة الأربعة ولا غيرهم من أئمة الفقهاء يرجع إليه[يعني علي ع] في فقهه)) ,فخلت حينئذٍ كتب أهل السنة عن روايات أهل البيت ع إلا النزاز اليسير الذي لا يعد بالدرجة الاساس معتمد ومعتبر إلا من جانب انه يعطي صبغة المودة كما يزعمون بها ,وقال ابن تيمية أيضا في منهاجه ))فهذا موطأ مالك ليس فيه عنه [يعني علي ع] ولا احد أولاده إلا قليل جدا ,وجمهور ما فيه عن غيرهم فيه عن جعفر تسعة أحاديث ...كذلك الأحاديث التي من الصحاح والسنن والمساند منها قليل عن ولده ,وجمهور ما فيها عن غيرهم)) .
بينما نجد البخاري الذي وضع اصح الكتب عندهم بعد كتاب الله تعالى يحتج بروايات النواصب او أعداء أهل البيت ع بتصريح الذهبي في ميزان الاعتدال حيث يقول في ترجمة علي بن هاشم :((ترك البخاري إخراج حديثه فانه يتجنب الرافضة كثيرا ,كأنه يخاف من تدينهم بالتقية ,ولا نراه يتجنب القدرية ولا الخوارج ولا الجهمية)) .
ونحن لو تكلمنا في هذا المضمار عن سبب تخلف الأمة وابتعادهم عن أهل البيت ع لطال بنا المقام ,لكن هذه المؤشرات التي ذكرنا كنموذج منها , ليعلم القارئ الكريم ان منشأ الابتعاد عن أهل بيت الرحمة لم يأتي من فراغ , وما قررناه في الفصل الأول ,مفصح عن دوافع الابتعاد وان تركوا وصية النبي الأكرم ص حين قال بحديثة المتواتر ((اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي...)) .
نعم نحن كشيعة أمامية متمسكون بأهل البيت ع ,في الحين نجد من أراد التملص من عدم طاعة أهل البيت ع بحجة ان الامامية لم نجد عندهم أحاديث عن النبي الأكرم ص بالقدر الكافي الذي نجده في كتبهم ومسانيدهم المشحونة بالنبويات ,وها نحن نتنزل مع الخصوم في زعاماتهم التي لم تبدو تنتهي ,ونتساءل في الحين ما هو سبب ندرة ألأحاديث النبوية في كتبنا ,بل احتجاجنا ومباني فقهنا وعقائدنا من نهل ونمير مائهم عليهم السلام دون النبي ص ؟
الجواب : ممكن الإجابة عن هذا الاشكال بجملة من العوامل التي أفرزت المنع من عدم الأخذ بالنبويات عند الامامية بشكل مجمل نذكر منها ثلاثة عوامل :
العامل الأول : احتجاج اصح كتبهم بروايات النواصب أعداء أهل البيت ع وقد مر عليك بيانه ,و هو كافٍ في الإعراب والإفصاح عن ما نحن فيه .
العامل الثاني : ان كتب العامة لا تخلوا من الإسرائيليات التي لا يمكن الاعتماد عنها فقد تسربت أفكار ومعتقدات اليهودية في كتب العامة وكثيرة ما هي منها :
أ ـ قال الشيخ محمد رشيد رضا في مجلة المنار العدد 27 ((ان كعب الأحبار كان من زنادقة اليهود الذين اظهروا الإسلام والعبادة لتقبل أقوالهم في الدين وقد راجت دسائسه وانخدع به بعض الصحابة ,فرووا عنه وتناقلوا مروياته بدون إسناد إليه حتى ظن بعض التابعين ومن بعدهم إنها مما سمعوه من النبي)) .وأضاف أيضا ((وان شر رواة هذه الإسرائيليات وأشدهم تلبيسا وخداعا للمسلمين : وهب بن منه وكعب الأحبار فلا تجد خرافة دخلت كتب التفسير والتاريخ الإسلامي في امور الخلق والتكوين والأنبياء وأقوالهم والفتن والساعة والآخرة إلا منهما مضرب المثل)) .
ب ـ شخص ابن كثير العديد من المرويات المدسوسة التي عجت بها كتب أهل السنة واتهم كعب الأحبار ببثها حينما نقل عن تكليم الله تعالى لموسى ع عندما كلم الله تعالى موسى كلمه بالألسنة كلها سوى كلامه [اعني موسى] فقال موسى يا رب هذا كلامك؟ قال : لا ولو كلمتك بكلامي لم تستقم له ... قال ابن كثير في تفسيره معقبا : ((فهذا موقف على كعب الأحبار وهو يحكي عن الكتب المتقدمة المشتملة على أخبار بني إسرائيل وفيها الغث والسمين)) .
العامل الثالث : ان كلام أهل البيت ع هو كلام النبي ص وحديثهم حديث النبي ص ,هذا العامل هو بمثابة الجواب الحلي فقد نقل الصفار في بصائر الدرجات ((حدثنا يعقوب بن يزيد عن محمد بن أبى عمير عن عمرو بن اذينة عن الفضيل بن يسار عن أبى جعفر عليه السلام انه قال لو إنا حدثنا برأينا ضللنا كما ضل من كان قبلنا ولكنا حدثنا ببينة من ربنا بينها لنبيه فبينها لنا)).
ونقل أيضا : ((حدثنا ابراهيم بن هاشم عن يحيى بن أبى عمران عن يونس عن عنبسة قال سال رجل أبا عبد الله عليه السلام عن مسألة فأجابه فيها فقال الرجل ان كان كذا وكذا ما كان القول فيها فقال له مهما اجبتك فيه لشئ فهو عن رسول الله صلى الله عليه واله لسنا نقول براينا القول فيها فقال له مهما اجبتك فيه لشئ فهو عن رسول الله صلى الله عليه واله لسنا نقول براينا من شى)) .
ومثل نظيره عند أهل السنة والجماعة فقد نقل ابن ماجه في سننه : ((حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَشِيرِ بْنِ ذَكْوَانَ الدِّمَشْقِىُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلاَءِ - يَعْنِى ابْنَ زَبْرٍ - حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ أَبِى الْمُطَاعِ قَالَ سَمِعْتُ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ يَقُولُ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَظْتَنَا مَوْعِظَةَ مُوَدِّعٍ فَاعْهَدْ إِلَيْنَا بِعَهْدٍ فَقَالَ « عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا وَسَتَرَوْنَ مِنْ بَعْدِى اخْتِلاَفًا شَدِيدًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَالأُمُورَ الْمُحْدَثَاتِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ ».
وقال السرخسي في أصوله :((وأما السنة: فهي الطريقة المسلوكة في الدين، مأخوذة من سنن الطريق، ومن قول القائل: سن الماء إذا صبه حتى جرى في طريقه، وهو اشتقاق معروف، والمراد به شرعا ما سنه رسول الله (ص) والصحابة بعده عندنا)).
فهل المراد من سنة الصحابة هو عزوف عن سنة النبي ص ؟ ,مع قطع النظر عن التفسير المنطقي الذي نحن بحاجه له هنا لاقتران سنة الصحابة مقارنة مع سنته ص .
العامل الثاني : منع تدوين الحديث
وهو احد أهم العوامل الرئيسية التي طالت السنة النبوية آنذاك بدوافع سياسية وأطماع شخصية منعت وأحالت دون التدوين ,لكي لايكون كشفا تاما عن وقائع حقيقة لابد من تأصيلها وأخذها مبدأ بأعتبارها وصايا النبي ص فضلا عن وصاياه بأهل بيته ع في توليه الخلافة وهو أمر بغاية الوضوح ,ولهم فيها تأويلات لم تكن تنجح في مبرراتها لمنع تدوين الحديث كما سوف نشير عاجلا , مرت مراحل منع التدوين بعدة من المراحل وكانت هي الأسباب التي روجت لهذا المنع نذكر منها سببين :
السبب الأول : ما طرحه الخليفة الأول
ويستنتج ذلك من نصّين مذكورين في تذكرة الحفاظ للذهبي
أ ـ ورد عن عائشة أنَّها قالت: «جَمَع أبي الحديث عن رسول الله (ص) وكانت خمسمائة حديث، فبات ليلته يتقلّب كثيراً.
قالت: فغمّني، فقلت: أتتقلّب لشكوى أو لشيء بَلَغك؟
فلمّا أصبح قال: أي بُنيّة، هَلُمِّي الأحاديث التي عندك.
فجئته بها، فدعا بنار فحرقها.
فقلت: لِمَ أحرقتها؟
قال: خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنتُه ووثقتُ [به]، ولم يكن كما حدّثني فأكون نقلت ذلك»
ب ـ جاء في تذكرة الحفّاظ: ومن مراسيل ابن أبي مُليكة: «أنّ الصدِّيق جمع الناس بعد وفاة نبيّهم، فقال: إنَّكم تحدّثون عن رسول الله (ص) أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً، فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً. فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه»
لنا استفهامان لا بدّ من الإجابة عنهما:
الأول: هل جمع الخليفة الأول أحاديثه في زمن الرسول الأعظم، وبأمر منه(ص)، أم أنّه قد جمعها بعده نظراً للظروف السياسيّة والحاجة الاجتماعيّة؟
الثاني: هل وقع المنع من التحديث وتدوين السنّة الشريفة في زمن متأخّر، أم أنّ رسول الله (ص) قد نهى عن التدوين في عهده (ص). كما نُقل عن أبي سعيد الخدريّ، عنه (ص): «ومَن كَتَبَ عنّي غير القرآن فَلْيَمْحُه»(1)؟
من خلال تعبير النصّ الأول «جمع أبي الحديث» يمكن أن نستشم أنَّ تدوين الحديث من قبل الخليفة جاء لاحقاً، خصوصاً حينما عرفنا أنّه أخذها من بعض الرجال، لقوله «خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل إئتمنته ووثقت، ولم يكن كما حدّثني، فأكون قد نقلت ذلك».
فخشية الخليفة من نسبة تلك الأحاديث إلى رسول الله لقوله «ولميكن كما حدّثني فأكون قد نقلت ذلك» لا يتلاءم مع فرض وقوع عمليّة الجمع في عهده (ص)، إذ لو كان الجمع في عهده (ص) لاَمكن للخليفة عرض المنقول على رسول الله (ص) للتثبّت من المشكوك فيه.
فإن قيل: إنّه فات عليه أن يعرض ما سمعه بواسطةٍ على رسول الله (ص) للتأكد من صحّته أو عدمها، قلنا: إنّنا لا نعقل أن يخفى ذلك على أبي بكر مع قربه من النبيّ واستحكام الشكّ في نفسه، كما نستبعد أن يكون قد ترك هذا الأمر المهمّ وسوّف فيه حتّى كادت تدركه الوفاة، مع أنّ الصحابة كان لا يخفى عليهم ضرورة أن يسألوا النبيّ (ص) في أبسط المسائل وعند أدنى شكّ.
وأمّا إحراق الأحاديث وتخوّفه من انتسابها إلى رسول الله (ص): لقوله: «فأكون قد نقلت ذلك» وتقارب ذلك مع موت الخليفة: «خشيت أن أموت» فإنّها توضَّح أنّ الخليفة قد جمعها في أواخر عهده، وأنّه لم يسمع منها حديثاً واحداً عن رسول الله (ص) مباشرة، وإلاّ فكيف يبيح لنفسه حرق ما سمعه شفاهاً من رسول الله (ص)؟!
مضافاً إلى ذلك: أنّ الخليفة لو كان قد جمع تلك المرويّات في عهد النبيّ(ص) لذكر ذلك المؤرِّخون وأصحاب السِّيَر، ولما تقَّلبَ ليلته! ولَمَا شكّ في جواز التدوين وعدمه بعد ذلك .
السبب الثاني : ما طرحه الخليفة الثاني عمر بن الخطاب
ويمكن أن يستنتج هذا الرأي من نصّين:
أ ـ عن عروة بن الزبير: إنّ عمر بن الخطّاب أراد أن يكتب السنن فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله (ص)، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً، ثمّ أصبح يوماً، وقد عزم الله له، فقال: إنّي كنت أردت أن أكتب السنن، وإنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً، فأكبّوا عليها، فتركوا كتاب الله تعالى، وإنّي والله لا أُلبِسُ كتابَ الله بشيء أبداً . تقييد العلم: 49، حجّيّة السنّة 395 عن البيهقيّ في المدخل ، وابن عبدالبرّ.
وروي عن يحيى بن جعدة: «أنّ عمر بن الخطّاب أراد أن يكتب السنّة ثمّ بدا له أن لا يكتبها. ثمّ كتب في الأمصار: من كان عنده منها شيء فليمحُه» . تقييد العلم: 53، حجّيّة السنّة: 395.
ب ـ عن القاسم بن محمّد بن أبي بكر: إنّ عمر بن الخطّاب بلغه أنّه قد ظهرت في أيدي الناس كتب، فاستنكرها وكرهها، وقال: أيُّها الناس! إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم كتب فأحبُّها إلى الله أعدلها وأقومها، فلا يُبقينَّ أحدٌ عنده كتاباً إلاّ أتاني به، فأرى فيه رأيي , قال: فظنّوا أنّه يريد أن ينظر فيها ويقوّمها على أمرٍ لا يكون فيه اختلاف، فأتَوْه بكتبهم، فأحرقها بالنار! ثمّ قال: أُمنية كأُمنية أهل الكتاب .حجية السنة
قال الخطيب: إن قال قائل: ما وجه إنكار عمر على الصحابة روايتهم عن رسول الله (ص) وتشديده عليهم في ذلك؟
قيل له: فعل ذلك عمر احتياطاً للدين، وحسن نظر للمسلمين، لأنه خاف أن ينكلوا عن الأعمال، ويتّكلوا على ظاهر الأخبار. وليس حكم جميع الأحاديث على ظاهرها ولا كلّ من سمعها عرف فقهها؛ فقد يَرد الحديث مجملاً ويستنبط معناه وتفسيره من غيره، فخشي عمر أن يُحمل حديث على غير وجهه، أو يؤخذ بظاهر لفظه، والحُكم خلاف مأخذه، وفي تشديد عمر ـ أيضاًـ على الصحابة في روايتهم حفظ حديث رسول الله (ص) وترهيب من لميكن من الصحابة أن يدخل في السنن ما ليس منها . شرف أصحاب الحديث: 97 98.
وهو كلام تثار حوله عدّة أسئلة:
منها: أترى أنّ الخليفة عمر بن الخطّاب كان أحرص من رسول الله على دينا لله؟ وما معنى خوفه واحتياطه ورسول الله يقول للسائل: «حدِّث عنّي ولا حرج»؟ ويقول في آخر«اكتبوا ولا حرج»؟ وكيف لا يحتاط أبو ذرّ الغفاريّ وهو الصحابيّ الذي قال عنه رسول الله ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ,ثمّ إنّ ما فعله عمر بن الخطّاب من حظر التحديث والتدوين، وجمعُهُ للصحابة المحدِّثين في حوزته إلى آخر حياته ـ من أمثال أبي ذرّ وابن مسعود وأبي مسعود وغيرهمـ ليشير بوضوح إلى افتعال ما نُسب لهؤلاء من روايتهم أحاديث منع التدوين والتحديث عن النبيّ (ص)، فقد ثبت من جهة أنّ الخليفة عمر بن الخطّاب منع هؤلاء وفرض عليهم الإقامة الإجبارية في المدينة، لتحديثهم عن رسول الله فلا يعقل في الجهة المقابلة أن يكون هؤلاء هم رواة أحاديث منع التدوين!! إذ لو كانوا كذلك لالتزموا بما سمعوا من منع النبيّ (ص) ولما حدّثوا عنه (ص) بشيء. بلى، لو صحّ أنّهم من مانعي الرواية والتحديث لما احتاج الخليفة إلى جمعهم ونهيهم عن التحديث، لأنه تحصيل حاصل. ثمّ ألم يكن في هذا القول ازدراء للصحابة؟ وتكذيب لما قاله ابن حجر عنهم: «فنفى عنهم الكذب والخطأ والسهو والريب والفخر»!
وإذا كان نقل الصحابة قد جاء تدريجيّاً واجتهاداً منهم، فهل يجوز لعمر نقض ما فعلوه؟
وإن لم يكن كذلك، فكيف يأمرهم أن يأتوه بمدوّناتهم؟ ألم يكن ذلك دليلاً على الجواز؟
والعجيب أنّهم يدّعون أنّ في المنع احتياطاً للدين، ويفوت عليهم أنّ منع المنع هو الاحتياط للدين، لاَنّ معنى المنع هو ضياع كثير من الأحكام وعدم وصولها للمسلمين وإخفاء حكم الله، وأمّا التحديث والتدوين فهو وإن كان عرضة للخطأ والتصحيف وو... لكنّه أَعوَدُ على المسلمين من بقائهم في الجهل وعدم معرفة الأحكام.
العامل الثالث : انتشار الأحبار الرهبان والملاحدة
ولدت فترة منع التدوين عواقب وخيمة ورائها مما أدى خلق فراغ كبير في عدم انتشار الحديث واخذ الاحكام النبوية الصحيحة ,وهو الأمر الذي أعطى حيز كبير لانتشار هذه الثلة من الناس لبث أفكارهم و أرائهم واخذوا ينسلون من كل حدب وصوب بكل حرية ,فضلا عن الذين استسلموا وبقي في القلب شيء من ميولاتهم العاطفية الى مذاهبهم ودياناتهم الأصلية التي لم تحل بينهم وبين ديانة الإسلام الحنيف نظرا الى ان هذه الأفكار كانت هي موافقة لديانة الإسلام من كون الكتاب العزيز قد أقرة بجميع الديانات السالفة اعتقادا منهم ان الدين ممكن أخذه على نحو المشتركات بالأفكار والنسق الواحد , فالقوا كثير من اعتقاداتهم الفاسدة و ما مر عليك أيها القارئ الكريم سابقا في كثرة الوضع وعدم خلوا كتب العامة من الإسرائيليات , فراجع .
واليك نماذج منهم :
1 تميم بن أوس الداري اللخمي مسيحي اسلم في عهد النبي ص
2 عبد الله بن سلام بن الحارث (أبو يوسف الإسرائيلي) وهو صحابي جليل وكنيته: أبو يوسف، من ذُرِّيـة النبي يوسف من بني إسرائيل . قال عنه الذهبي في السير: "الإمام الحَبْر، المشهود له بالجنة، حليف الأنصار، من خواصِّ أصحاب النبي ".
3 أبو عبد الرحمن طاووس بن كيسان اليماني (توفي سنة 106 هـ) راوي حديث وتابعي
4 ولد طاووس بن كيسان في اليمن في خلافة عمر بن الخطاب أو خلافة عثمان بن عفان
5 المؤرخ وهب بن منبه هو وهب بن منبِّه بن كامل بن سيج بن ذي كبار (34 هـ - 114 هـ) هو تابعي يهودي الأصل, قال الذهبي عنه: ورِوايته للمسند قليلة، وإنما غَزارة علمه في الإسرائيليات، ومن صَحائف أهل الكتاب
6 لبيد بن الأعصم هو رجل يهودي، ذكرت الروايات أنه سحر النبي محمد .
قيل أنه سحر الرسول فبقي على ذلك ستة أشهر، حتى نزلت سورتي المعوذتين - سورة الفلق وسورة الناس - رقية له.
وقد ذكر جلال الدين السيوطي في كتابه «لباب النقول في أسباب النزول» ما ورد عن لبيد بن الأعصم، حيث يقول عن ابن عباس قال:
«مرض رسول الله مرضا شديدا، فأتاه مَلَكان، فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما ترى؟ قال: طُبَّ، قال: وما طُبَّ؟ قال: سُحِرَ، قال: ومَنْ سَحَره؟ قال: لَبيد بن الأعصم اليهودي، قال: أين هو؟ قال: في بئر آل فلان تحت صخرة في رَكِيَّة، فَأْتوا الرَّكِيَّة، فانزحوا ماءها، وارفعوا الصخرة، ثم خذوا الكُدْية وأحرقوها، فلما أصبح رسول الله بعث عمار بن ياسر في نفر، فَأَتوا الرَّكِيَّةَ، فإذا ماؤها مثل ماء الحناء، فنزحوا الماء، ثم رفعوا الصخرة، وأخرجوا الكُدْيَةَ، وأحرقوها، فإذا فيها وتر فيه إحدى عشرة عقدة، وأُنزلت عليه هاتان الصورتان، فَجَعل كلما قرأ آية انحلت عقدة: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}.»
7 عبد الكريم بن أبي العوجاء من أوائل الزنادقة و الملحدين في تاريخ الإسلام، وله مناظرة مع الإمام جعفر الصادق ع حول إثبات وجود الله.
8 أبو مُحمّد عبد الله بن المقفع (106 - 142 هـ)(724 م ـ 759 م) (بالفارسية:ابن مقفع - أبو مٰحَمَّد عبد الله روزبه بن داذويه) وهو مفكّر فارسي وُلِد مجوسياً لكنه اعتنق الإسلام، وعاصر كُلاً من الخلافة الأموية والعباسية.
9 الديصانية نسبة إلى مؤسسها ديصان و هي فرقة مهرطقة كانت منتشرة في العراق في العصر العباسي، و كانت لهم مناظرات مع فلاسفة و متكلمي الإسلام آنذاك ، و لعل أبرزها مناظرة أبي شاكر الديصاني مع هشام بن الحكم تلميذ الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام يرى البعض أن فكر الديصانية فكر إلحادي متأثر بالرواقية اليونانية ، و البعض يرى أنهم متزندقة متأثرين بالزرادشتية و المانوية و غيرها من الفرق ذات الأصل الفارسي اعتقدوا بنظرية المثنوية حول النور و الظلمة .
10 وهب بن كبير أبو البختري توفي عام 2000 هــ

الفصل الثالث : أول فرقة كلامية الخوارج
وهنا امران :
الأمر الأول : بعد مقتل عثمان كان المهاجرون والأنصار بين مؤيد ومؤلب ضده او صامت رهين بيته محايد للطرفين ثم اجتمعوا بعد ذلك في بيت علي ع وطلبوا منه بإصرار بالغ قبول الخلافة إذ لم يكن غيره آنذاك ...,ونهض أمير المؤمنين ع بالأمر ,وقد عمت الفتن وصاروا شيعا ,وكان أول المخالفين لبيعته معاوية بن أبي سفيان وأول من جهر بالخلاف وفي غضون هذا الخلاف عاجت الحروب الدامية التي خاضها الأمام علي ع وكانت فتنة الخوارج نتيجة الحربين الجمل وصفين والتي خرج لها معاوية من الشام وقدم صفين وكان في صف أمير المؤمنين ع تسعون ألف من أهل العراق ثم نزل أمير المؤمنين ع صفين وطالت المراسلات مع معاوية من قبله يدعوه الى الدخول في صفوف المسلمين وجمع كلمتهم فأنتجت ان يتلاقوا اخر شهر محرم سنة سبعة وثلاثين للهجرة ولما انقضى شهر محرم بعث علي ع الى أهل الشام إني قد احتججت عليكم بكتاب الله تعالى ودعوتكم إليه ... ثم بعث الاشتر وكان يوم الأربعاء وكان أول يوم من شهر صفر فعبّأ الجيش وهكذا الى ان امتدت الحرب الى يوم العاشر من شهر ربيع .
ثم ان كانت ليلة الهرير برزت أعواد أشباه الرايات معلقة فيها مصاحف ...حتى استقبلوه ع بمائة مصحف...ووضعوا في كل مجنبة مائتي مصحف حتى صار عددها خمسمائة مصحف .
ثم انشطروا الى نصفين قسم قال الحرب وقسم قالوا المحاكمة الى كتاب الله تعالى ,الى ان هذا الأمر قد اثر في نفوس كثير من نفوس جيش الأمام علي ع فلما رأى علي ع تلك المكيدة وقد أثرت بالقوم قام خطيبا (( أيها الناس أني أحق من أجاب الى كتاب الله ولكن معاوية وعمر بن العاص وابن أبي معيط وحبيب ابن مسلمة وابن أبي سرح ليسوا بأصحاب دين ولا قران أني اعرف بهم منكم ,صحبتهم أطفالا وصحبتهم رجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال أنها كلمة حق يراد بها باطل :أنهم والله ما رفعوها لأنهم يعرفونها ويعملون بها ولكنها الخديعة والمكيدة أعيروني سواعدكم وجماجمكم ساعة واحدة فقد بلغ الحق مقطعه , ولم يبق إلا ان يقطع دابر الذين ظلموا)) .
إلا ان هذا الخطاب اثر فقط في قلوب المؤمنين الواعين من جيشه دون من كان له نزعة اثر البساطة والسذاجة من أهل البادية ...الى ان آل الأمر الى التحكيم بعد ان فرض عليه وبعد ان كان منتصرا فعين أمير المؤمنين ع من جانبه احد الحكمين إما ابن عمه عبد الله بن عباس او الاشتر ,ولكنهم رفضوا كل ذلك وأبوا إلا نيابة أبي موسى الأشعري الذي خذل علي ع في بداية الخلافة ولم يبايعه إلا بإكثار الناس ,وحتى انه فرض عليهم الأحنف بن قيس فرفضوه أيضا , ثم قبل علي ع بابي موسى الأشعري ,حتى لما ذهب أبو موسى الأشعري قال علي ع ((كأني به وقد خدع)) فقال عبيد الله ابن أبي رافع :لماذا تبعثه وهو على هذه الفكرة ؟ فقال ع ((لو عمل الله في خلقه بعلمه ,ما احتجّ عليهم بالرسل)) . ثم بعد ان اتفق الحكمان عمر بن العاص وأبي موسى الأشعري على عزل كل من صاحبه وترك ذلك الى الأمة يختاروا فيما بينهم عزل أبو موسى الأشعري علي ع ولم يعزل عمر صاحبه بل عينه خليفة للمسلمين !
الأمر الثاني : في عقائد الخوارج
أ ـ حكم الحكمين
ان تخطئة التحكيم هو الحجر الاساس للخوارج وقد اتخذوه شعارا أيام حياة الأمام علي ع وبعده والخوارج كلهم اصفقوا على ان القبول بالتحكيم في حرب صفين هو أمر مخالف لكتاب الله تعالى والسنة وهذا هو أول عقيدة من عقائدهم وهو : تكفير الحكمين لانه لا حكم إلا لله تعالى ,وسميت ((بتحكيم الرجال فيما نزل فيه حكم الله كفر)) ,او ((لا إمر إلا لله تعالى)) , أما الأول فتشترك فيه جميع فرقهم ,والثاني لبعضهم الذين اختاروا عبد الله بن وهب خليفة لهم وهم قلة .
هؤلاء كانوا يعتقدون ان التحكيم كان مخالفا لكتاب الله تعالى من وجوب مقاتلة الفئة الباغية حتى تفيء الى أمر الله تعالى واما تحكيم الرجال فهو أمر مخالف للكتاب العزيز وقد علمت ان هذه المسالة قد فرضت على أمير المؤمنين ع والتاريخ يشهد بذالك .
ب ـ حكم مرتكب الكبيرة من جهات ثلاثة
الجهة الاولى :حكم مرتكب الكبيرة هل هو مشرك او مؤمن
ان أول مسالة كانت بعد مسالة الامامة وفرَّقتهم الى فرقتين هي مسالة حكم مرتكب الكبيرة هل هو مؤمن او لا ؟
قبل الجواب لابد من الاشارة الى أمر وهو : ان أساس ومنشأة النزاع هو هل ان العمل جزء من الإيمان او لا فعلى الأول يلزم من الإخلال بالواجب او الحرام فهو يخرج عن دائرة الإيمان ويكون كافر ,وعلى الثاني يبقى مؤمن لكنه عاصي .
ومن هنا انشقت فرقتان ,الاولى الازارقة حيث قالوا :بكفر من فعل صغيرا او كبيرا ,وذهبت النجدية الى كفر من فعل الكبائر دون الصغائر .
الجواب : من وجهين :
الأول : ان الله تعالى قسم الكافر والمشرك قال ((لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة)) ,قال ((لتجدن اشد الناس عداوة للذين امنوا اليهود والذين أشركوا)) كل ذلك يدل على ان للمشرك معنى محددا لا ينطبق على الكافرين من أهل الكتاب فضلا عن المسلم .
الثاني : ان الشرك المتبادر منه هو جعل الند لله تعالى إما في ذاته او صفاته ,ولا يمكن رمي الناس به مع عدم إيمانهم بالند .
الجهة الثانية : هل مرتكب المعاصي مؤمن او كافر
وهذا هو مذهب الاباضية فوصفوا من عمل بالمعاصي كافرا ,لا كما مر سابقا من كونه مشرك .
والجواب : ان حقيقة الإيمان هو الاعتقاد القلبي فمن دخل قلبه الإيمان يسمى مؤمن ولا دخالة كون عاصي او لا ,فالإيمان إذن هو حال انعقاد القلبي على التصديق من دون مخالجة شك او ريب ,وهذا هو مفهوم الإيمان الاعتقادي ,قال الله تعالى ((ولما يدخل الإيمان في قلوبكم)) وقال أيضا ((اولئك كتب في قلوبهم الإيمان)) ,فهو إذن أمر روحي . نعم كون القلب مركزا للإيمان وخروج العمل عن كونه عنصرا مقوما للإيمان لا يعني ان التصديق القلبي يكفي في نجاة الانسان في الحياة الأخروية ,بل يعني انه يكفي خروج الانسان عن زمرة الكافرين ,وهو أمر مخالف لم رسمته عقيدة المرجئة كما سوف يأتي في الفصول اللاحقة , لأنهم اكتفوا في الاعتقاد والتصديق القلبي ,ونحن لا نسلم بذلك بل هو جزء مقوم للإيمان .
إشكال وجواب : نحن نعلم ان المركب من أجزاء ينتفي عند انتفاء شروطه وأجزائه فكيف إذا انتفى العمل بقي الإيمان ؟
الجواب : نحن لا نعني بالجزء المقوم من كونه ذاتي او غير ذاتي خارجي او ذهني ,بل المراد انه احد الامور التي يبتنى عليها ويتوقف عليها دخول الانسان الى الجنة وهو شيء اخر غير ما ذكروه .

الجهة الثالثة : هل صاحب الكبيرة خالد في النار
ذهب جمهور المسلمين الى ان الخلود يختص بالكافر دون المسلم وان أثم وركب الكبيرة وذهبت الخوارج والمعتزلة الى خلوده في النار إذا مات بلا توبة ,و استدلوا بعدة من الآيات منها :
1ـ قوله تعالى (( ومن يعص الله ويتعد حدوده يدخله نار جهنم خالدا فيها وله عذاب مهين)) .
يلاحظ عليه : ان قوله تعالى (يتعد حدوده) ظاهر في تعدي جميع حدود الله وهذه صفات الكافر لا فاعل الكبيرة ,لانه يتعدى بعض حدوده
2ـ قوله تعالى ((ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه واعد له عذابا عظيما)) .
وفيها : ان الآية ناظرة الى القاتل المستحل قتل المؤمن او قتله لأجل إيمانه خصوصا وان قبلها قوله تعالى (( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم...)) ,فهي بحسب السياق تختص بالكافر المستحل ,دون صاحب الكبيرة , الى غير ذلك من الآيات .
ج ـ في الخروج على الحاكم الجائر
اتفقت الخوارج على لزوم الخروج على الحاكم الجائر وجعلوه فرعا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشرط القدرة عليه , ذهب أكثر أهل السنة الى حرمة الخروج .
د ـ حرمة التقية قولا وعملا
ذهبت الازارقة الى حرمة التقية في القول والعمل بينما ذهبت النجدية الى جوازها مع التأمل , لانه ربما تنسب حرمة التقية الى جميع فرق الخوارج .
هنالك بعض العقائد للخوارج على مستوى العقيدة والفقه اعرضنا عنها خشية الإطالة فمن شاء عليه بمطالعة ذلك بكتب الملل والنحل .