المقدمة الثامنة : تعريف علم الكلام

تعريف العلم الذي يطلب تحصيله وإنما وجب تقديم تعريفه ليكون طالبه على بصيرة في طلبه فإنه إذا تصوره بتعريفه سواء كان حدا لمفهوم اسمه أو رسما له فقد أحاط بجميعه إحاطة إجمالية باعتبار أمر شامل له يضبطه ويميزه عما عداه بخلاف ما إذا تصوره بغيره فإنه وإن فرض أنه يكفيه في طلبه لكنه لا يفيده بصيرة فيه فإن من ركب متن عمياء وهي العماية بمعنى الباطل أوشك , عرف المصنف علم الكلام بتعريفين احدهما دمن جملة ما يبحث عنه علم الكلام والأخر من الغاية التي يرمي اليها وهي إثبات العقائد الدينية على الغير .
التعريف الأول : ((هو العلم الباحث في إثبات وجود خالق الكون ,وصفاته وافعاله))
أولا : لنا ان نسأل هل تتمايز العلوم بالغايات أو بالموضوعات ؟
الجواب : ان كون التعريف بالغاية ممكن ,ولكن يكون التعريف حينئذٍ رسميا وليس بالحد إذ الغاية خارجة عن المغيا وهو واضح بأدنى تأمل ,وعليه لو كانت الغاية غير مذكورة لكان العلم باقيا وبنفس مسائله وعلى ما هو عليه ,أما السبب الذي دعا التعريف بالغاية ,فممكن ان نتوخى أمر وهو ان التعريف بالغاية اشد من ناحية الإقبال على ذلك العلم إذ كلما حصل الانسان على تعريف الغاية كانت الارادة اليها قوى ,فالملاحظ اذن الثمرة التي تكتسب من ذلك العلم ,وايضا ان الغاية تحصل بشكل تدريجي بضم المسالة الى المسالة الأخرى ولا تحصل دفعة ,وذلك يتضح من المثال الأتي :
لنفترض ان انسانا اراد ان يسافر الى مكان ما فان المسافة وان كانت خارجة عن الغاية المكانية التي يرمي الوصول اليها فنجد ان الخطوات التي سعى من اجل الوصول قد حصلت تدريجيا وكلما تقدم في الوصول كانت الغاية اقرب الى ان يحص الى اخر نقطة من المسافة التي قطعها فحينئذٍ تحصل الغاية لا محال ,فكانت الغاية متوقفة على هذه المسافة توقفا عقليا فتأمل جيدا .
إما التعريف بالموضوع هو ما ذهب إليه المشهور حيث الموضوع يتميز عن اخر بنفس مسائله كما هو المقام حيث يتميز علم الكلام في إثبات الصانع وصفاته مطلقا ,فان بقية العلوم غير قادرة على إثبات هذه المسائل ,وعلى كل حال الأمر سهل في ذلك سواء كان الميز هو الغاية أو الموضوع ,وان كان الأفضل ان يكون بنفس الموضوع وما يحمل عليه لانه يكون بالحد التام, وهو القول الثاني في موضوع علم الكلام فراجع .
ثانيا : بعد ان اتضح الجواب عن السؤال المتقدم نقول ان ماهية التعريف المتقدم قد اخذ فيه : ((العلم الباحث في إثبات وجود خالق الكون...)) أي ان هذا العلم يكون تعريف بنفس المسائل, فنفس المسائل باحثة عن إثبات الخالق الكون .
التعريف الثاني : وهو التعريف المنصب الغاية , قال المصنف : ((علم الكلام هو علم يقتدر معه على اثبات العقائد الدينية على الغير ,بايراد الحجج ودفع الشبه)) .
وهنا امور :
الأمر الأول : ان هذا التعريف الذي نقله المصنف ,بل حتى الغاية والثمرة ,هو لصاحب المواقف لمؤلفه :عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي ,وهو اشعري المذهب ,وهو مبتني على مذهبه ,كما سوف نبين في الأمر الثالث ان شاء الله تعالى , لكن لا مانع من ذكره هنا من حيث التمامية ومن حيث المعنى العام الذي رسمه هذا التعريف ,مع الإغماض على مبتنيات الاشاعرة التي قد تلاحظ في إطارهذا التعريف على ما سوف يأتي عاجلا ان شاء الله تعالى .
الأمر الثاني : ان التعريف المتقدم اخذ فيه عبارة ((على إثبات العقائد الدينية على الغير)) وهو تعريف بالرسم أي بالجنس (العلم) والرسم (يقتدر معه على إثبات العقائد على الغير) ,وهذا التعريف ويلاحظ على هذا التعريف , انه تعريف بالعرضي العام حيث ان الفلسفة أيضا علم يقتدر معه على إثبات العقائد ولو من وجه ,والتعريف بالعرضي العام غير حاصر .
زيادة في الايضاح : ان الفرق بين الفيلسوف والمتكلم هو ان الفيلسوف ينطلق من منطلقات عامة من دون ترتب الآثار أو القواعد ثم يؤسس ,بل وظيفته انه يثبت الواقعيات فقط من دون النظر الى ما هو له ارتباط بصلب العقائد الدينية أو لا ,في الحين نجد المتكلم يعتقد ثم ينطلق فما أدى به البرهان الى النتائج الصحيحة التي لا تخرج عن هذه المباني الأصلية فهي, وألا كانت فاسدة فوظيفته اخص من الفلسفي من حيث الموضوع فان موضوع علم الكلام هو الدفاع عن العقيدة سواء كانت فاسدة أو حقة كما سوف يأتي من تعريف علم الكلام ,وبما ان الوجود اعم الموضوعات الذي هو موضوع علم الفلسفة, فيدخل ضمنا الواجب تبارك وتعالى كيف لا وهو اشرف الموجودات .
الأمر الثالث : شرح مفردات التعريف
المفردة الاولى : (علم) أنه أراد بالعلم معناه الأعم أو التصديق مطلقا ليتناول إدراك المخطئ في العقائد ودلائلها ,بيان ذلك : انه اراد من العلم اليقين بالمعنى الأعم وهو مطلق التصديق الجازم أي التصديق الجازم سواء طابق الواقع أو لا وسواء كان عن تقليد أو لا , أو انه اراد من العلم معناه الأعم تصور عام وهو التصور الساذج أو التصور مع الحكم , واما كون احتمال إرادة اليقين بالمعنى الأخص اعني المطابق للواقع ضعيف من إطلاقه للعلم .
المفردة الثانية : (يقتدر) ولم يقل يثبت , لان الاثبات غير لازم للفعل بل القدرة هي من تكون لازمة للفعل إما الاثبات فهو غير لازم فقد يحصل وقد لا يحصل نظراً لقوة المتكلم وضعفه ,على ان الاقتدار هنا المراد منه القدرة التامة وهي الملكة ,وقال المصنف لكتاب بداية المعرفة (ولذا عبر به دون القدرة) أي ان علم الكلام عبر به دون القدرة وان القدرة لابد من مصاحبتها معه لتتم الفائدة ولهذا عرفوه دون القدرة ,من كون القدرة أمر عرضي باعتبار إثبات العقائد الدينية على الغير ,فهو أمر خارج عن موضوعه .
المفردة الثالثة : (معه) انه اختار معه على (به) على الرغم من شيوع استعمال كلمة (به) تنبيها على انتفاء السببية الحقيقة المتبادرة من الباء هاهنا يعني كما هو مذهب الاشاعرة , وببيان أوضح زعمت الاشاعرة انه لا قادر ولا خالق لأفعال العباد سوى الله تعالى وهو الخالق لأفعال العباد فضلا عن غيرها من التكوينيات والتشريعيات وهي المسالة المعروفة بالجبر ويأتي الكلام عنها في مبحث اخر ان شاء الله تعالى ,فان إعراضه عن كلمة (به) إشعارا على ان علم الكلام لا يستقل به على إثبات العقائد الدينية بل موكولة الى الله تعالى, وإتماما للكلام نقول :انه حصل خلاف في كون إذا كانت المقدمات حاضرة وصحيحة مؤلفة من صغرى وكبرى ناتجتين إنتاجا صحيحا هل يحب من الفور ان تكون النتيجة منبثقة بحيث يجب وجودها من خلال هاتين المقدمتين أو لا ؟
الجواب :ثلاثة أقول في المسالة
القول الأول : قالت الاشاعرة في حصول العلم عقيب النظر الصحيح انه من الله تعالى ,لأنه ممكن وكل ممكن فهو من فعل الله تعالى وانه مجرى العادة بمعنى ان الله تعالى أجرى عادته ان يخلق العلم عقيب النظر الصحيح لأنه متكرر وأكثري الوجود وكل متكرر أو أكثري الوجود فهو بمجرى العادة وانه ليس بواجب ان يخلقه الله تعالى لأنه فعل الله تعالى ولا شيء من الأفعال بواجب ان يخلقه الله تعالى ,وهو مبني على مسالة الجبر الفاسدة .
القول الثاني : قالت المعتزلة انه فعل العبد تولداً وذلك لان فعل العبد عندهم على وجهين الأول : يسمى مباشرة وهو ما كان في محل القدرة كالاعتماد الحاصل في البدن ,والثاني يسمى توليداً كالمتولد عن الاعتماد الحاصل في محل القدرة كحركة المفتاح المتولدة عن حركة اليد والنظر عندهم من قبيل الثاني لأنه يتولد عن النظر والنظر من فعل الانسان وتولده وهو السبب أي النظر فلا بد من وجود المسبب وهو العلم أو النتيجة وكل ذلك من اثر فعله ,وهو مختار جماعة من متكلمي الشيعة امثال العلامة الحلي رحمه الله تعالى قال : (انه على سبيل اللزوم فانا نعلم ضرورة ان من علم ان العالم متغير وان كل متغير حادث فانه يلزم عنهما علم ثالث وهو ان العالم حادث .
القول الثالث : قالت الحكماء ان النظر الصحيح يعده الذهن والنتيجة تفاض عليه من المبادئ العالية وجوبا والفرق بينهم وبين الاشاعرة انه عند الاشاعرة بلا واسطة ,وعندهم بواسطة تلك المبادئ الموقوفة على الإذن الإلهي ,وهو الحق من الأقوال .
تنبيهٌ : ان إطلاق المعية هنا (يقتدر معه) لإثبات ان القدرة تصاحب هذا العلم دائما دون العلم بالقوانين التي يستفاد منها صور الأدلة فقط فإذن هنالك نوع مصاحبة دائمية فانا , فمثلا لو جاءنا الى علم النحو أو الجدل فليس لهما المصاحبة دائما على اثبات العقائد دائما فهما وان كانا فيهما نوع اقتدار, لكن دون القدرة التامة ,لو سلمنا فيهما نوع اقتدار .
المفردة الرابعة : (إثبات) اختار إثبات العقائد على تحصيلها ,إشعارا بان ثمرة علم الكلام إثباتها على الغير ,وان العقائد يجب ان تؤخذ من الشرع ليعتد بها وان كانت مما يستقل به العقل , لكن هذا الكلام مبني على ان العقل يجب ان يكون في معزل عن العقائد الدينية كيف وان ثبوت الشرع متوقف عليه ! كما سوف نبحثه في أبحاث اخر , ان شاء الله تعالى , وكان الاولى ان يقال انه لا عبرة بالعقائد الحاصلة من الأدلة من حيث هي كلامية ـ لأنه قد تكون عقيدة فاسدة ـ بل ان ثمرتها الإثبات على الغير .
المفردة الخامسة :(العقائد) المراد من العقائد هو نفس الاعتقاد دون العمل ,فان الاحكام المأخوذة من الشرع قسمان : الأول الاعتقادية الصرفة التي يقصد منها انعقاد الضمير عليها , والثانية عملية وهي وان كانت في جنبة اعتقاد ,لكن ليس بالمعنى الصرف بل العمل كقولنا الصلاة واجبة والصوم واجب وهي الامور الفرعية .
المفردة السادسة : (الدينية) وهي المنسوبة الى دين النبي محمد ص سواء كانت حقة أم باطلة ولهذا قلنا منسوبة فان كلمة (منسوبة) على وزن مفعول وهي تعم الحق والباطل كما نقول ينسب الى فلان انه قال كذا من دون ان يحصل لنا القطع .
المفردة السابعة : (على الغير بإيراد الحجج ودفع الشبه)هذا المقطع من التعريف وهو المقطع الأخير وفيه الاشارة الى أمرين :
الأول : ان كلمة على الغير هو إشارة الى ان هدف المتكلم هو الدفاع عن العقائد الدينية إذ هي الثمرة والغاية , وهذا ما اوضحناه سابقا ,واما قوله بإيراد الحجج ودفع الشبه متعلق بإثبات والمراد من الحجج والبراهين في نظر المتكلم وليس ما كان دليلا واقعيا بحسب الأمر والواقع ولهذا لا يخرج عن علماء الكلام من كان مخطئاً فليس المراد من الحجج بنفس الأمر الواقع بل بحسب المتصدي لها ,وان كلمة (المنسوبة) كانت كفيلة ومفصحة عن هذا الأمر التي ذكرت في شرح كتاب المواقف للإيجي فضلا عما ذكره صاحب كتاب البداية .
الثاني : ان ايراد الحجج ودفع الشبه كما قلنا انه متعلق بـ (إثبات) اي يكون الإثبات عن هذا الطريق لا بطريق اخر ,فخرج علم النبي ص وعلوم المعصومين, لأن إثباتها بالمعجزة ,وخرج علم الله تعالى وملائكته لانه موقوف على صدق النبوة .
المقدمة التاسعة : غاية علم الكلام
هذا هو المبدأ الثالث بعد الموضوع والتعريف ألا وهو الغاية و الثمرة التي لابد منها لزيادة الطلب والشوق الى ذلك العلم بيان أوضح : إنما وجب تقديم فائدة العلم الذي يراد أن يشرع فيه دفعا للعبث فإن الطالب إن لم يعتقد فيه فائدة أصلا لم يتصور منه الشروع فيه قطعا وذلك لظهوره لم يتعرض له وإن اعتقد فيه فائدة غير ما هي فائدته غير ما هي فائدة أمكنه الشروع فيه إلا أنه لا يترتب عليه ما اعتقده بل ما هو فائدته وربما لم تكن موافقة لغرضه فيعد سعيه في تحصيله عبثا عرفا وليزداد عطفا على دفع رغبته فيه إذا كان ذلك العلم مهما للطالب بسبب فائدته التي عرفها فيوفيه حقه من الجد والاجتهاد في تحصيله بحسب تلك الفائدة ,وله غايتان :
الاولى : الغاية التنويرية والمقصود منها ان الإيمان بعالم الغيب والشهادة له ركن أساسي في قلب المؤمن فمن دون المعرفة اليقينية الراسخة لا يمكن ان تتحقق له تلك المفاهيم العبادية التي غايتها الإصلاح السلوكي والاجتماعي على الانسان قال تعالى :(قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا بل قلوا أسلمنا ولما الإيمان في قلوبكم) فان المولى تبارك وتعالى نفى عنهم الإيمان لان الإسلام لا يحقق الإيمان وهذا ما سوف نعرفه ان شاء الله تعالى عندما نتعرض الى عقيدة المرجئة في المقدمة الأخيرة ان شاء الله تعالى.
الثانية : الغاية الدفاعية قال المصنف لكتاب البداية عند تعرضه الى هذه المسالة : (وهي الغرض الأصلي الذي دفع الى تأسيس هذا العلم وتدوينه ...الخ) وهي إشارة الى ان هذه الثمرة قد اشرنا اليها في التعريف الثاني الغائي, وقد علمته .
سؤال إذا كان غرضه الأصلي هو الدفاع عن العقائد الدينية فما هي الفوائد التي تنجلي إزاء ذلك ؟
الجواب : له خمسة فوائد نذكر منها على سبيل المثال لا على سبيل الحصر
الأول : بالنظر إلى الشخص في قوته النظرية وهو الترقي من حضيض التقليد إلى ذروة الإيقان , يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات خص العلماء الموقنين بالذكر مع اندراجهم في المؤمنين رفعا لمنزلتهم كأنه قال وخصوصا هؤلاء الأعلام منكم .
الثاني : بالنظر إلى تكميل الغير وهو إرشاد المسترشدين بإيضاح المحجة لهم إلى عقائد الدين وإلزام المعاندين بإقامة الحجة عليهم فإن هذا الإلزام المشتمل على تفضيح المعاند ربما جره إلى الإذعان والاسترشاد فيكون نافعا له ومكملا إياه .
الثالث : بالنسبة إلى أصول الإسلام وهو حفظ قواعد الدين وهي عقائده عن أن تزلزلها شبه المبطلين .
الرابع : بالنظر إلى فروعه وهو أن تبنى عليه العلوم الشرعية أي يبنى عليه ما عداه منها فإنه أساسها وإليه يؤول أخذها واقتباسها فإنه ما لم يثبت وجود صانع عالم قادر مكلف مرسل للرسل منزل للكتب لم يتصور علم تفسير وحديث ولا علم فقه وأصوله فكلها متوقفة على علم الكلام مقتبسة منه فالآخذ فيها بدونه كبان على غير أساس وإذا سئل عما هو فيه لم يقدر على برهان ولا قياس بخلاف المستنبطين لها فإنهم كانوا عالمين بحقيقته وإن لم تكن فيما بينهم هذه الاصطلاحات المستحدثة فيما بيننا كما في علم الفقه بعينه .
الخامس : بالنظر إلى الشخص في قوته العملية وهو صحة النية بإخلاصهم في الأعمال وصحة الاعتقاد بقوته في الأحكام المتعلقة بالأفعال إذ بها أي بهذه الصحة في النية والاعتقاد يرجى قبول العمل وترتب الثواب عليه وغاية ذلك كله أي والفائدة التي يفيدها ما ذكر من الأمور الخمسة وتنتهي إليها هي الفوز بسعادة الدارين فإن هذا الفوز مطلوب لذاته فهو منتهى الأغراض وغاية الغايات .
تتميم : قال الله تعالى ( ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ان ربك هو اعلم بمن ضل عن سبيله وهو اعلم بالمهتدين) .
ان طرق الارشار التي يتوخاها المتكلم لإثبات العقائد الدينية على الغير تكمن في طريقين :
الأول : طريق الحكمة ونعني به إصابة الواقع بالعلم والمعرفة
الثاني : الجدل وهو المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة قال الله تعالى (وجادلهم بالتي هي أحسن) ,وله نظير مطابق عند أهل النظر والمعقول
1 ـ طريق الحكمة (البرهان)
2 ـ طريق الموعظة الحسنة (الخطابة)
3 ـ طريق الجدل ـ الأحسن ـ كما أشارة له الآية الكريمة
المقدمة العاشرة : مرتبة علم الكلام
قال صاحب المواقف في هذا الصدد )) ليعرف قدره فيوفي حقه من الجد قد علمت أن موضوعه أعم الأمور وأعلاها وغايته أشرف الغايات وأجداها ودلائله يقينية يحكم بها صريح العقل وقد تأيدت بالنقل وهي الغاية في الوثاقة وهذه هي جهات شرف العلم لا تعدوها فهو أشرف العلوم .
أقول : ممكن الاستدلال عقلا على ان موضوعة اعلي واشرف الموضوعات وذلك من خلال المقدمات الآتية :
المقدمة الاولى : ان شرف كل علم بشرف موضوعة
المقدمة الثانية : ان موضوع علم الكلام اشرف الموضوعات (إثبات الباري تعالى) ,فظهر ان علم الكلام اشرف العلوم وأعلاها ومرتبته الاولى على جميع العلوم .
وجاء في كتب المواقف شرحا عليه : ((وإنما وجب تقديم مرتبة العلم الذي يطلب أن يشرع فيه ليعرف قدره ورتبته فيما بين العلوم فيوفى حقه من الجد والاعتناء في اكتسابه واقتنائه إذا عرفت هذا فنقول قد علمت أن موضوعه أي موضوع الكلام وهو المعلوم أعم الأمور وأعلاها فيتناول أشرف المعلومات التي هي مباحث ذاته تعالى وصفاته وأفعاله ولا شك أنه إذا كان المعلوم أشرف كان العلم به أشرف مع أن موضوعه مقيد بحيثية تنبىء عن شرفه أيضا وغايته أعني تلك السعادة المترتبة على الأمور الخمسة أشرف الغايات وأجداها نفعا ودلائله يقينية يحكم بها أي بصحة مقدماتها وحقية الصور العارضة لها صريح العقل بلا شائبة من الوهم وقد تأيدت تلك الدلائل بالنقل وهي أي شهادة العقل لها بصحتها مع تأيدها بالنقل هي الغاية في الوثاقة إذ لا يبقى شبهة في صحة الدليل الذي تطابق فيه العقل والنقل قطعا بخلاف دلائل العلم الإلهي فإن مخالفة النقل إياها شهادة عليها بأن أحكام عقولهم بها مأخوذة من أوهامهم لا من صرائحها فلا وثوق بها أصلا وهذه الأمور المذكورة في شرف علم الكلام أعني معلومه وغايته هي جهات شرف العلم لا تعدوها أي لا تتجاوز جهات الشرف هذه الأمور التي ذكرناها وأما كون مسائل العلم أقوم فراجع إلى فضيلة الدلائل ووثاقتها فهو فالكلام إذا شرف العلوم بحسب جميع جهات الشرف)) .
المقدمة الحادية عشر : سبب التسمية بعلم الكلام
قال الإيجي : إنما سمي كلاما إما لأنه بإزاء المنطق للفلاسفة أو لأن أبوابه عنونت أولا بالكلام في كذا أو لأن مسألة الكلام أشهر أجزائه حتى كثر فيه التناحر والسفك فغلب عليه أو لأنه يورث قدرة على الكلام في الشرعيات ومع الخصم .
وقال الشارح : وإنما وجب تقديمها لأن في بيان تسمية العلم الذي يتوجه إلى تحصيله مزيد إطلاع على حالة تفضي الطالب مع ما سبق إلى كمال استبصاره في شأنه إنما سمي الكلام كلاما إما لأنه بإزاء المنطق للفلاسفة يعني أن لهم علما نافعا في علومهم سموه بالمنطق ولنا أيضا علم نافع في علومنا سميناه في مقابلته بالكلام إلا أن نفع المنطق في علومهم بطريق الآلية والخدمة ومن ثمة يسمى خادم العلوم وآلتها وربما يسمى رئيسها نظرا إلى نفاذ حكمه فيها ونفع الكلام في علومنا بطريق الإحسان والمرحمة فلا يسمى إلا رئيسا لها أو لأن أبوابه عنونت أولا أي في كتب المتقدمين بالكلام في كذا فبعد تغير العنوان بقي ذلك الاسم بحاله أو لأن مسألة الكلام يعني قدم القرآن وحدوثه أشهر أجزائه وسبب أيضا لتدوينه حتى كثر فيه أي في حكم الكلام أنه قديم أو حادث التناحر أي التقاتل والسفك إذ قد روي أن بعض الخلفاء العباسيين كان على الاعتزال فقتل جماعة من علماء الأمة طالبا منهم الاعتراف بحدوث القرآن فغلب عليه تسمية للشيء باسم أشهر أجزائه أو لأنه يورث قدرة على الكلام في الشرعيات مع الخصم على قياس ما قيل في المنطق من أنه يفيد قوة على النطق في العقليات والمخاصمات .
وقبل البدء بنقاش صاحب المواقف لنا وقفة مع ما نقله الشيخ حسن مكي العاملي في مقدمته الرابعة (أسماء هذا العلم) حيث ذكر أيده الله تعالى بان من أسمائه (علم اصول الدين) و(علم التوحيد والصفات) و(الفقه الأكبر) و(علم النظر والاستدلال) و(علم الكلام) وهو اشهرها ,أقول كل الاحتمالات أو الاصطلاحات التي ذكرت هي موضوعة حديثا على هذا العلم وهي من ابتداع القوم باستثناء المصطلح الأخير (علم الكلام) وكيفما فهي مسالة اصطلاحية لا ثمرة فيها أبدا ,لان أهم مسالة قد تبحث ويكون لها الاعتبار والقيمة البحثية هو موضوع العلم وقد تقدم
أقول : قدم الماتن والشارح أربع احتمالات على سبب تسميته بعلم الكلام
الأول : بإزاء المنطق للفلاسفة
الثاني : أو لأن أبوابه عنونت أولا بالكلام في كذا
الثالث : أو لأن مسألة الكلام أشهر أجزائه حتى كثر فيه التناحر والسفك فغلب عليه
الرابع : أو لأنه يورث قدرة على الكلام في الشرعيات ومع الخصم
قبل مناقشة هذه الآراء لابد ان نشير الى أمر وهو له ربط فيما نحن فيه نحن ألان نبحث عن أمر اصطلاحي صرف أي متى ظهر هذا المصطلح (الكلام) ولا نعني به غير ذلك ,نعم من المؤكد اخذ هذا العلم باستقلاله كبقية العلوم بعد ان شاع هذا المصطلح سواء كان على الوضع التعيني أو التعييني ,لكن كيف نشأة هذا المصطلح كاسم على مسمى ؟
القول الأول : بإزاء المنطق والفلسفة : حيث كانوا الفلاسفة يصدرون أبحاثهم الفلسفية بالمسائل المنطقية ,والمنطق مرادف للكلام , فأرادوا علماء العقائد ان يستغنوا عن المنطق ,الذي جاء من اليونان مقترناً بورود الفلسفة الى العالم الإسلامي ,فسموا علمهم بـ (الكلام)
يرد عليه :
أولا : انه على فرض صحته فهو يرجع الى زمان متأخر ,اعني الى عصر ترجمة الكتب اليونانية الى العربية في عهد المأمون ,لكن ظهور المصطلح الرسمي عليه (الكلام) كان في عصر متقدم على ذلك كما سيوافيك قريبا ان شاء الله تعالى .
ثانيا : ان علم الكلام ليس علما مستقلاً عن علم العقائد , حتى يجعل الأول مقدمة للثاني , كما ان علم المنطق مقدمة للفلسفة .
ثالثا : ان علم المنطق ليس مقدمة للفلسفة فقط ,بل لجميع العلوم وخصوصا العلوم النظرية , منها علم الكلام ,فالمتكلم لا يستغني في أبحاثه عن علم المنطق .
القول الثاني : أو لأن أبوابه عنونت أولا بالكلام في كذا
يرد عليه : انه لا دليل عليه وان سلمنا فهو ناشئ في مرحلة التدوين والتصانيف ولم يكشف لنا التأريخ انه كان على الوضع ألتعيني .
القول الثالث : أو لأن مسألة الكلام أشهر أجزائه حتى كثر فيه التناحر والسفك فغلب عليه .
يرد عليه :
أولا : ان مسالة ان الله متكلم وهل ان كلامه قديم أو حادث كانت محطة اهتمام العباسيين كالمأمون والمعتصم والواثق حيث وافقوا المعتزلة في حدوث كلامه تعالى ,وبعضهم وافق أهل الحديث كالمتوكل في قدمه ,وكما ترى ان هذه المسالة نشأت متأخرة .
ثانيا : ان مجرد التناحر حول هذه المسالة لا يدل على وضع الكلام عنوان عليه حيث لا دليل عليه أبدا , حيث ان التأريخ نقل إلينا الواقعة وجوهر المسألة المتنازع حولها دون المصطلح .
القول الرابع : أو لأنه يورث قدرة على الكلام في الشرعيات ومع الخصم
قيل ان دلائل علم الكلام دلائل يقينية ,واليقين سبب لقوة الدليل واستحكامه , والكلام إذا كان مستندا بالدليل اليقيني كان له قوة واستحكام واستحق ,لان يسمى باسم الكلام مطلقا , اليها شار التفتزاني , بقوله في شرح المقاصد (( ولأنه لقوة أدلته صار كأنه هو الكلام دون ما عداه ,كما يقال للأقوى من الكلامين : هذا هو الكلام)) .
ويرد عليه :
أولا : ان منهج الكلام ليس يقيني صرف بل كما قدمنا انه مركب من ألنقلي والعقلي , فان مسالة استحكام الدليل منصب على بعض مسائله .
ثانيا : انه لو كان ناشئ من استحكام الأدلة لكان المنطقي أو الفلسفي أو ألرياضياتي أولى بتلك التسمية وهو واضح حيث استحكام الأدلة فيها امتن من هذه الناحية اعني الاستحكام .
المختار في المسالة :
اختار المشهور القول الثالث ,وقليلٌ من قال بالرابع ,واما مختارنا في المسالة, هو ان هنالك شواهد كثيرة في الروايات تدل على ان هذا الاصطلاح بلفظ الكلام والمتكلم او المتكلمين كان معروفا في القرن الثاني الإسلامي وتحديدا في عصر الصادقين عليهما السلام ويدل على ذلك شواهد منها :
الشاهد الأول : جاء جاثليق نصراني الى هشام بن الحكم ليناظره حول الإسلام والمسيحية ,فقال له ((ما بقي من المسلمين احد ممن يذكر بالعلم والكلام إلا وقد ناظرته في النصرانية ,فما عندهم شيء فقد جئت أناظرك في الإسلام)) ,ومن المعلوم ان المسيحي لم يأتي من اجل ان يناقش في مسالة فقهية ,بل عقائدية ووصفها بالكلام .
الشاهد الثاني : جاء بن أبي العوجاء الى الأمام الصادق ع ليناظره حول العقائد الدينية ,ولكن شخصية الأمام العلمية والمعنوية أحدثت هيبةً واضطراباً فامتنع عن الابتداء بالتكلم ,فقال له الأمام ع لماذا لا تتكلم ؟ فأجاب بقوله :(( إني شاهدت العلماء وناظرت المتكلمين ,فما تداخلني هيبة قط مثلما تداخلني من هيبتك)) .
وهو واضح بالدلالة فالظاهر بل المؤكد ان هذا المصطلح كان مشهورا في ذلك العصر ,وممكن القول انه اخذ أي علم الكلام استقلاله من ذلك العصر ,وليس كما ظن البعض انه في عصر متأخر .
الشاهد الثالث : جاء رجل من أهل الشام الى أبي عبد الله الصادق ع وقال : (إني رجل صاحب كلام وفقه وفرائض ,وقد جئت لمناظرة أصحابك) .ولم يكن عنده ع من أصحابه غير يونس بن يعقوب ,ولم يكن من المتكلمين ,فقال الأمام ع له ((لو كنت تحسن الكلام كلمته)), فقال يونس : إني سمعتك تنهى عن الكلام وتقول :ويل لأصحاب الكلام , فقال ع إنما قلت : ويل لهم ان تركوا ما أقول , وذهبوا الى ما يريدون , ثم قال ع ليونس:(( اخرج الى الباب فانظر من ترى من المتكلمين فادخله...)) .
وهو كما تلاحظ ان الأمام ع استعمل كلمة (المتكلمين) مما يدل على ان هذا المصطلح كان رائجا في زمانه ومعروفا بشكلٍ غني عن التعريف فتعرفه كل الطوائف الدينية وغير الدينية كما مر عليك سابقا ,هذا كظهور وشياع واما سبب الاتسام أي علم الكلام بالكلام ,وهو لما فيه من المناظرة على البدع، وهي كلام صرف لشده الخصومة وقوة المناظر ,نعم وان قلنا ان من ذهب الى القول الرابع في سبب التسمية قليل لكن له وجه وجيه ,واما ظهر لفظ الكلام لسبب مسالة كلام الله تعالى وحدوثه فقد علمت الكلام حولها , والله اعلم وهو احكم الحاكمين .