المقدمة الرابعة : ما يجب التدين فيه في باب العقائد

ان ما يجب اعتقاده ولا يجب على أقسام :
القسم الأول : ما يجب الاعتقاد به ,ولازمه وجوب النظر والوصول إليه لتوقف المعرفة عليه والتدين به وهي المسماة باصول الدين الخمسة المعروفة .
القسم الثاني : ما يجب معرفته والتدين به ,ولكن لا يجب الفحص عنه والتحري لان الحجة لاتتم به إلا بعد الإطلاع عليه فيكون العلم به شرطا لوجوبه لا لوجوده لأنه اخذ على نحو العلم الموضوعي بمعنى ان وجوب الاعتقاد به متوقف على العلم به كتفاصيل المعاد وخصائص الانبياء غير العصمة وما يتفرع عليها وهكذا .
القسم الثالث : مالا يجب معرفته ولا التدين به نعم بعد حصول العلم به يجب ذلك لأنه لازمه إنكار المخبر به وهو المعصوم فضلا عن الله تعالى ,وذلك كمسالة خلق السماء و الأرض والظواهر الطبيعية كالأفلاك والملك .
المقدمة الخامسة :ماهية المعرفة وأقسام المعرفة
في هذه المقدمة نشير الى الواسطة في الإثبات اعني ما هي الأداة التي يستخدمها الانسان في إثبات عقائده ولا بأس بالإشارة سريعا الى سبب تعدد الوسائط ,وهنا نقول ان المعارف البشرية ممكن تصنيفها على أربعة أقسام :
الأول : معرفة العوام ,وهي المعرفة الغالبة وتكون سطحية على اثر التقليد والتعبد
الثانية : معرفة الخواص كأهل الكلام وتتم بطريق الدلائل الجدلية وهي لا تتجاوز إثبات الأصول العقدية وإقامة الحجة إثباتا أو نفيا .
الثالثة : معرفة خواص الخواص ,وتتم عن طريق البراهين العقلية وتكون نتائجها يقينية وفي الغالب لا تتجاوز الاحكام العقلية كمسالة عينية الصفات وقاعدة الواحد .
الرابعة : معرفة أهل السر,وهي التي تنطلق من تزكية النفس والعبودية المطلقة كمعرفة الانبياء و الأولياء وهي ناشئة من اليقين .
ما هي المعرفة ؟ ان الهدف من كل تعريف رفع الإبهام عن ماهية المعرَف فمتى ما كان الشيء فيه جهة إغماض احتاج الى تعريف لبيان ماهيته وهو على الاستقراء أربعة انواع :
الأول : من التعاريف ما تبين مفهوم الشيء بشيء أوضح منه كما لو سالنا ما هو اليورانيوم ؟ الجواب هو احد العناصر المشعة .
الثاني : من التعاريف ما يبين خواصه وآثاره كما لو سألنا ما هو الياسمين ؟ الجواب: هو انه زهر ذو عطر .
الثالث : من التعاريف ما يبين أجزائه وعناصره كما لو سالنا ما هو الماء ؟ الجواب : هو عبارة الاكوسجين والهيدروجين .
الرابع : من التعاريف ما يبين ماهية الشيء بذاتياته ,كما لو سالنا ما هو الانسان؟ الجواب حيوان ناطق .
ومنه يعلم متى زال الإبهام لم نعد بحاجة الى التعريف والظاهر ان مفهوم العلم والمعرفة من هذا القبيل اعني من البديهي لان هذه المفاهيم هي من المفاهيم التي يعايشها الانسان في جميع لحظات عمرة , كل ما ذكر من التعاريف قد اخذ به الدور ,لان التعريف هو عين المعرف من كون كلاهما علم وداخل تحت المعرفة اللهم إلا ان يميز جهة الإجمال التي كانت في المعرَف فيكون التعريف أكثر تفصيلا .
أما أقسام المعرفة فهي على ثمانية أقسام أجمالا :
1 انقسام العلم الى تصور والى تصديق بلحاظ الحكم وعدم الحكم
2 انقسام العلم الى ضروري والى اكتسابي بلحاظ الدليل وعدمه وذكروا ان المائز بين التصور والتصديق هو انه في التصور ما كان محتاجا الى تعريف فهو تصور نظري وعكسه البديهي ,واما التصديق ما كان محتاجا الى دليل فهو نظري وما كان لا يحتاج الى دليل فهو تصديقي بديهي , ومن شاء فليراجع كتب المنطق .
3 انقسام العلم الى فعلي وانفعالي بلحاظ بتمامية العلة وعدم ذلك ولكل منهما تفسيران
الأول : للمتكلمين قالوا : العلم يكون فعليا إذا كانت الصورة الذهنية متقدمة على الوجود الخارجي للمعقول ,كارتسام شكل البيت في خيال المهندس قبل حصوله في الخارج , واما إذا كان وجود المعلوم متقدما على وجود العلم كما لو نظرنا الى البناء ثم تصورناه هذا هو العلم الانفعالي .
الثاني : للحكماء قالوا : العلم الفعلي ما كان بنفسه علة تامة لوجود المعلوم في الخارج من دون حاجة الى توسط الآلات كما لو كان إنسانا واقفا على شاهق ثم تصور السقوط وسقط فورا وبذلك يفترق عن تعريف المتكلمين حيث ان الصورة مرتسمة في ذهن المهندس قبل الاشتغال بالبناء ,وليست علة لإيجاده فتصوره لا يكفي في إيجاده .
4 انقسام العلم الى حصولي وحضوري بلحاظ توسط الصورة وعدم توسطها ,فإذا حصل الشيء بماهيته فهو حصولي وإذا كان حصول الشيء بوجوده فهو حضوري .
5 انقسام العلم الى كلي وجزئي بلحاظ الصدق على كثيرين او لا
6 انقسام العلم الى تفصيلي و اجمالي بلحاظ الميز الكلي او عدمه كما لو علمت بالكتاب من دون قراءته فهذا علم اجمالي واما مع معرفة موضوعة وتعريفه وغايته يكون تفصيلي .
7 انقسام العلم الى علمي وعملي بلحاظ ما ينظر وما يعمل ,فان العلم بالله تعالى وسائر صفاته تعالى ما ينبغي ان ينظر , وكعلمنا بان ما في الكون من كواكب وغيرها فان كل ذلك ما ينبغي ان ينظر ,واما ما ينبغي ان يعمل ,كشكر المنعم ووجوب الطاعة للمولى ووجوب العدل وهكذا .
8 انقسام العلم الى حقيقي واعتباري بلحاظ الحكاية عن الخارج وعدمه راجع التفصيل المذكور في كتب الفلسفة حول ذلك .
المقدمة السادسة : مناهج تقييم المعرفة
منذ ان وطء الانسان أقدامه على سطح الأرض وهو يدرك ان ما وراءه حقيقته, بل كل شيء موجود على صفحة الوجود لابد ان يكون ما وراءه كائن ,وهذا المعبر عنه بالسنة الفلاسفة العلة والمعلولية أو الأثر يدل على المؤثرعند المتكلمين إلا انه لو رجعنا الى الوراء لرأينا ان منهج المعرفة البشرية وتقييمه للمعرفة ينضوي تحت ثلاثة مناهج :
الأول : منهج الإنكار الذي ساد في العصور المتقدمة اليونانية وهم المعروفون بالسوفسطائين وهي كلمة يونانية تعني الحكمة الموهومة وهم على ثلاثة أصناف :
أـ من أنكر الواقعيات بقول مطلق ,فلم يعترف بواقعية شيء من الاشياء .
ب ـ من قال لا علم لنا بأي شيء وأي واقع وأي حقيقة من الحقائق (اللادريين)
ج ـ من قال ليس لنا علم بشيء عدا ذاتنا وتفكيرنا فاعترفوا بواقعية ذاتهم وعلمهم فقط
أما بواعث الإنكار و ما هي الأسباب التي طالت تلك الحقبة من الزمن حتى التجأ هؤلاء الى هذا النمط من التفسير للواقعيات ,لكن لنا ان نسال كيف حكموا على عدم الواقعيات أو توقفوا في ذلك من دون أسبقية لواقع حكم على هذه النتائج ؟ .
ولا حد مشترك بيننا وبينهم لكي نقف معهم على إثبات ان هنالك حقيقة كامنة ما وراء عالم الطبيعة والإمكان ,تسمى واجبة الوجود وعلته التامة .
الثاني :منهج الشك وهو المقابل لمنهج الحق واليقين ,قالوا : ان الطرق التي اتخذها الانسان للوصول الى الواقع لا تعطيه يقينا ولا اطمئنانا إذ الحس والعقل خاطئان في ادراكهما , وان المنطق الاروسطي لا يعصم الانسان عن الخطأ , ولكن هذا المذهب لم يعمر طويلا حتى خمدت جذوره اثر ما قامت به من فلاسفة اليونان وحاربته وإقامة الحجج والبراهين على بطلانه الى القرن السادس عشر , حتى قام الغرب بحضارة صناعية ونشطت العلوم الطبيعية واكتشفت النواميس المادية عند ذلك احي مذهب الشك من جديد واستأنف طريا لما طرحه رجال أمثال (باركلي) و (شوب نهاور) فصار الشك شعارا للمنكرين , وقد استدلوا بشبه كلها مدفوعة ولم رام الوقوف عليها عليه بمطالعة نظرية المعرفة للشيخ السبحاني (معاصر) .
الثالث : منهج اليقين وهو يبتنى على اصلين
الأول : ان ما وراء الذهن و الذهنيات واقعيات خارجية .
الثاني : ان كل إنسان مجهز بأجهزة من أدوات المعرفة على ادراكها والتعرف عليها تعرّفا صحيحا , وكما ان فلاسفة الإسلام احكموا أركان هذا المنهج بالبحث عن الموضوعين التاليين :
1 ـ البحث عن حقيقة العلم و واقعه وحده ورسمه .
2 ـ تقييم المعرفة الانسانية ومدى كشفها عن الواقع .
المقدمة السابعة : موضوع علم الكلام وسبب نشؤه
موضوعه : اعلم ان الموضوع في كل علم ما يبحث عن عوارضه الذاتية أي محمولات تلك المسائل أما لذاته او لأمر مساوي لذاته , والمراد من موضوع كل علم هو التصديق بموضوعية ذلك العلم بمعنى ان الشيء الفلاني موضوع لذلك العلم وهو مفاد الهلية المركبة أي هل ان ذلك الشيء ثابت لذات الموضوع او لا , وهنا امور :
الأمر الأول : هل تتمايز العلوم بالغايات او المواضيع ؟ احد الأسباب التي دعت البحث عن موضوع كل علم هو هذا السؤال ,ليحصل ملاك الفرق بين كل علم عن علم اخر وساء قلنا بالموضوع او بالغاية الأمر سهل في المقام ,لكن الأمر الأهم هو أبجدية الكلام حول احتياج كل علم الى موضوع فهل كل علم له موضوع او لا :
في هذه المقدمة نحاول ان نبين الآراء المتوخاة في احتياج العلم الى موضوع أو عدم احتياجها ومنشأ سبب الاختلاف في ذلك تضاربت الآراء حول هذه المسالة حيث أدى البعض ضرورة وجود موضوع لكل علم ,ويقف الصنف الثاني مقابلا لهذا الاتجاه ويقول بعدم ضرورة ووجوب ان يكون لكل علم موضوع ,ومن قال لا هذا ولا ذاك بل البعض دون الأخر إذا الاتجاهات ثلاثة حول هذا الأمر , وسبب اختلافهم في ذلك يتمحور بخمس امور نذكرها إجمالا :
الأول : ماهي نسبة محمول العلم الى موضوعه وكون النسبة بينهما ضرورية أم ذاتية
الثاني : البحث عن العرض الذاتي والمقصود من الذاتي هل هو الذاتي في باب الكليات الخمسة أم في كتاب البرهان ؟
الثالث : البحث عن تمايز العلوم حيث اختلف القوم في كون هذا التمايز يحصل بالموضوعات أم بالإغراض والغايات ؟
الرابع : البحث في المنهج في تحقيق مسائل كل علم وكون هذا المنهج واحدا او متعددا؟
الخامس : البحث عن النسبة بين موضوع العلم وموضوع المسالة وهل هي نسبة الكل الى الجزء أو نسبة الكلي الى الجزئي ؟ وهل المراد من الكلي الطبيعي ام المنطقي ؟
هذه هي أهم الابحاث التي دام الغوص فيها من قبل الإعلام وكانت نتيجة لاختلافاتهم .
الاتجاه الأول : وهو القائل بضرورة موضوع لكل علم إي مطلق العلم وهذا الاتجاه هو المشهور في المائة سنة الأخيرة , لأنه قبل صاحب الكفاية لم تكن هذه الابحاث مطروحة .
الاتجاه الثاني: وهو القائل بالسلب الكلي ,بمعنى انه لا دليل على ان لكل علم موضوعا ينفرد به بل الدليل قائم على خلاف ذلك بل ان عددا من العلوم يستحيل وجود موضوع لها كعلم اصول الفقه ففي باب الصوم مثلا هنالك تروك اي امور عدمية وفي الصلاة هنالك أفعال وجودية وأين الجامع بين الوجود والعدم مع كون الصلاة والصوم من موضوعات علم الفقه , وإذا كانت الفلسفة عاجزة عن الجمع بين الوجود والعدم فهل سيقدر على ذلك علم الفقه على ذلك ,فتأمل جيدا .
الاتجاه الثالث: وهو المخالف لكلا الاتجاهين حيث لا يعتقد بالموجبة الكلية ولا بالسالبة الكلية ,وقال صاحب هذا المسلك بضرورة النظر الى طبيعة العلم والى طبيعة أقسام العلوم ,وبتعبير اخر ان بعض المحمولات التي تنسب الى موضوعاتها يشترط فيها ان تكون أمر واحدا والبعض الأخر لا يجب والسبب في هذا المسلك هو ان الإيمان بتمايز العلوم بالموضوعات قائم على العرض الذاتي ,والبعض الأخر لا يشترط فيها العرض الذاتي بل كل ما يحصل الغرض فهي ليست علوم بالمعنى الاصطلاحي اقصد ليست حقيقة ,كعلم الفقه وأصوله وعلوم اللغة وغيرها من العلوم الاعتبارية ,واما العلوم الحقيقة كعلم الفلسفة والمنطق فلا بد لها من موضوع .
هذا هو مجمل الكلام في هذه الاتجاهات الثلاثة ,تاركين الأدلة المعتمدة لكل اتجاه والمناقشات التي قد ترد عليها خشية الإطالة .
الأمر الثاني : لو سلمنا ان لعلم الكلام موضوع فما هو موضوعه ؟
الأقوال في المسالة :
القول الأول : الموجود بما هو موجود ,قالوا ان المتكلم ينظر في اعم الاشياء وهو الموجود فيقسمه الى قديم وحادث والمحدث الى جوهر وعرض والعرض الى مايشترط فيه الحياة كالعلم والقدرة وما لا يشترط كالطعوم واللون ...وينظر الى القديم فيبين انه لا يتكثر ولا يتركب وان له صفات تنسب إليه يتميز بها عن الممكنات .
القول الثاني : ذاته تعالى وصفاته ,ذهب بعضهم ان موضوعه هو ذاته تعالى وسائر صفاته وأفعاله , والظاهر انه الحق والله تعالى اعلم
القول الثالث : ان موضوعه هو ذاته وذوات الممكنات ومن ذهب الى هذا القول زاد فيه ان موضوعه ذات الله تعالى من حيث هي ,وعن الممكنات من حيث انها امور نسبية تحتاج الى الله تعالى ,واما سائر الابحاث التي تطرح عادة فهي أما على سبيل الاستطراد أو التكميل .
القول الرابع : ان موضوعه هو المعلوم حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية ,واليه ذهب أكثر المتأخرين قالوا : المعلوم من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية ,لأنه يبحث عن أحوال الصانع تعالى من القدم والوحدة والقدرة والعلم وهكذا ,وهذه الاحكام يبحث عنها العقائدي من حيث التوصل بها الى إثبات العقائد الدينية .
الأمر الثالث : سبب نشؤه
مر علم الكلام بثلاثة ادوار تأسيسية
1ـ عصر الرسالة الإسلامية لقد طرحت المسائل الكلامية آنذاك على شكل سؤال وجواب كان الهدف منها إرشاد المسلمين وتعبئة فكرهم العقائدي وهذا من أهم أهدافها فترى تارة يطرح السؤال من باب التفقه وتارة من باب التعنت لإغراض نفسية او دوافع سياسية كما شهدته مرحلة دخول الناس للإسلام .
2ـ مرحلة مابعد رحيل النور المبين صلى الله عليه واله وحتى استشهاد أمير المؤمنين ع وهي لأتقل عن سابقتها من كون المسائل كانت تطرح أيضا على شكل مسائل ولعل هذه الفترة شهدت نظارة كبيرة على من له الأهلية عن الإجابة على تلك الأسئلة والتأريخ ينقل لنا شواهد كثيرة من أسئلة أهل الكتاب على أمير المؤمنين عندما عجز عنها الخلفاء وكانت كثير من نوع الامتحان هدفها الوصول الى الحقيقة ولهذا نرى الشواهد كثير أكثر من سابقتها ولعل السبب ذلك يعود الى عاملين :
العامل الأول : ان المسلمين وجدوا فرصة اكبر للتأمل في المفاهيم الإسلامية .
العامل الثاني : ارتباطهم الواسع بالشعوب والأقوام الأخرى اثر الفتوحات والغزوات الإسلامية .
3ـ عصر مابعد استشهاد أمير المؤمنين ع وحتى عصر الترجمة اعني ترجمت الكتب اليونانية منذ بدأت في زمن الخليفة المنصور العباسي وبلغت ذروتها أيام خلافة المأمون , وفي هذا العصر ظهرت فرق كلامية عديدة التي سوف نتناولها تفصيلا في المقدمة الثانية عشر امثال القدرية والمرجئة والمعتزلة وغيرهم الكثير .
هذه أهم الأسباب التي دعت نشوء علم الكلام ,واما كونه كعلم مستقل يأتيك البحث عنه في المقدمة الحادية عشر ان شاء الله تعالى .