بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد واله الطيبين الطاهرين

شرح بداية المعرفة

وهو شرح موسع على كتاب عقائدي معرفي غني عن التعريف في الأوساط الحوزوية لما نال من شهرة على مستوى المنهج المتبع في هذا الوسط العلمي , وهذا الشرح الذي بين يدي طالب العلم ,هو على ثلاثة أقسام : القسم الأول تناولت فيه المبادئ والمقدمات التي يتوقف الشروع عليها في متن الكتاب وهي مؤلفة من اثنا عشر مقدمة على خلاف ما وضعة الماتن أيده الله تعالى حيث جعلها خمسة نظرا لتوسعنا في شرحها مفصلا ,والقسم الثاني في الإلهيات يبتدئ من باب التوحيد الى النبوة ,والقسم الثالث من النبوة وحتى المعاد ,مستمدا من الله تعالى التوفيق ,وكما أشيد بإخوتي من أساتذة وطلبة العلوم الدينية إبداء أرائهم النبيلة والهادفة الى جعل هذا الشرح حلة جديدة ونافعة .
الأقل دائما : ...............
القسم الأول : المبادئ والمقدمات

المقدمة الاولى : في معنى العقيدة
العقيدة في اللغة مشتقة من العقد وهو الجمع بين أطراف الشيء بوثوق وإحكام ومنه العقد في الاعتباريات كالبيع والنكاح ,لأنه يشد بين التزامين ,وفي التكوينيات كعقد البناء وعقد الحبل وفي الحقائق المعنوية اعتقدت كذا أي انعقد ضميري على كذا ,والعقيدة هي الحكم الذي لا يقبل الشك حيث يجمع الانسان أطراف قلبه عليه , ومن هنا تسمى اصول الدين بالعقيدة اصطلاحا ومن هنا يظهر ان العقيدة ليست هي فهم الحقائق الغيبية فقط أو العلم بها عبر الدليل بل هي نوع التزام قلبي يتصف بالرسوخ والثبات ,ومن هنا يظهر أيضا ان هوية الانسان عقيدته فبها تتحدد شخصيته وسلوكه ومصيره وهي أساس توجهاته ومسيرته وتعامله مع الامور في الحياة ,وهي التي تنعكس على سلوكه في كل صغيرة وكبيرة , كما ان الذي يسوق الخمَّار الى الخمر والقمَّار الى مجالس القمار والسارق الى السرقة والحاكم المستبد الى الاستبداد والملحد الى الإلحاد والعميل الى العمالة هي العقيدة أيضا , به يظهر ان الانسان لا يمكن ان يعيش من دون اعتقاد بصورة عامة سواء كان اعتقاده صحيح أم فاسد .

المقدمة الثانية : في أركان العقيدة الدينية
ان الاعتقاد بالدين والتدين به يتلخص في ثلاثة أركان
الأول : المعرفة
الثاني : الإقرار
الثالث : وجوب الطاعة

ان المرحلة الاولى متكفلة ببيان ان على الانسان لابد له من المعرفة ,ومع ان هذا الأمر هو من الامور الفطرية المعبر عنه بحب الاستطلاع الى ان ذلك في باب العقائد لا يخلوا من كونه يحتاج الى إيضاح ,فنقول : ان معظم المناهج في كتب العقائد الدينية هو البحث عن امور ثلاثة :
أولا : معرفة الخالق ونعني به ان على الانسان لا يمكن إنكار حقيقة القاعدة الثابتة لدى جميع العقول القائلة : (ان الأثر يدل على المؤثر) فان نظامنا الكوني اثر يحتاج الى مؤثر فمن المؤثر ؟ تكمن الإجابة عن هذا السؤال في إثبات ان هنالك قوة عظمى هي التي أوجدت هذا النظام المادي حيث ان الأدلة والبراهين العقلية ,كبرهان النظم وبرهان الوجوب والإمكان متكفل عن الإجابة عن هذا السؤال ,وهو ان لكل اثر لابد من مؤثر فان البحث عن هذه الحقيقة وان كان أمر فطري سليم تسالمت عليه ذوي العقول إلا انه أمر مهم مبدئيا لما سوف تعرف قريبا ,إذن ان قانون المعرفة أو الركن الأول من أركان العقيدة الدينية هو وجوب المعرفة اعني ان لهذا الأثر مؤثر وهو أمر فطري اعني المعرفة والسؤال عن هذا المؤثر .
ثانيا : مرحلة الإقرار ,وهذه الركن الأساسي هو المرحلة الثانية بعد المعرفة ,ما هو معنى الإقرار ؟ الإقرار هو عبارة عن الاعتراف عن جزم بحق لك او عليك ولكي تعرف او تقر بحق من الحقوق لابد أولا من معرفة المقر له بالحق وإلا لا يمكن قطعا ان تقر بحق, وأنت جاهل بمن أقرت له ! وهنا لابد من الفحص عن المقر له بالتتبع ان كان مجهولا ,لكي يتم الإقرار له ,فان معرفة ان هنالك خالق أوجد الموجودات من العدم أمر بحد ذاته غير كافٍ في المقام من دون ان ننسب إليه كمالاته التي يستحقها فلابد من ان نعترف بحقيقة ان كل ما في الوجود لذلك الخالق بإقرار عن علم , لكن السؤال كيف نحرز ذلك ؟ الجواب ان البحث عن الصفات مطلقا سواء كانت ثبوتية او سلبية هو المتكفل عن هذه الإجابة فما لم نثبت ان القدرة والعظمة والعلم والحياة وكل ما في الوجود هو من كماله المطلق لا يمكن الانقياد الى أوامره وطاعته ,فإذن البحث عن الصفات هو الذي يحقق مرحلة الإقرار ,و منه يعلم أيضا المنهج الترتيبي بين طرح المسائل العقائدية في كتب المتكلمين حيث أخذت هذا المبدأ .
ثالثا : الركن الثالث وهو مرحلة وجوب الطاعة فبعد ان يعترف ويقر الانسان ان ما اقر به هو المحق في انتساب الموجودات له برمتها وجب عليه عقلا ان ينقاد تبعا لوجوب شكر المنعم , ومن هنا يعلم ان العبادة التي ليست متقومة على هذه الأركان هي ليست عبادة وان كانت ظاهرة في هذا العنوان من الناحية الظاهرية .
ملاحظة : ان الذي حكم بالركن الأول والثاني هو العقل النظري ,والركن الثالث هو العقل العملي, ويأتي الكلام عنه ان شاء الله تعالى .
إشكال : قد يشكل في المقام ان المعرفة اشمل من العلم ,وبعبارة منطقية ان كل معرفة علم وليس كل علم معرفة إذ قد يحصل العلم ولا تحصل المعرفة ,فالعلم ليس هو الا انطباع أو حضور الشيء لدى الذهن ,واما المعرفة فهي الشاملة لمعرفة خواص ذلك الشيء , وعليه ان اعترافكم بان هنالك خالق ماوراء الطبيعة مجردٌ, لا يدرك كنهه ,هو اعتراف بأنه مجهول مطلق فكيف وسمتموه بالمعرفة ؟
الجواب : ان المعرفة وان كانت اشمل من العلم بالشيء ,لكن لا يمنع ان تكون من وجه فان معرفة صفات الصانع والخوض بها هي معرفة وان كانت مجملة ,وعلية ينقسم العلم الى تفصيلي وإجمالي , والعلم الإجمالي قد تحصل فيه المعرفة وان كنا نجهل بعض الخصوصيات ,فعلى سبيل المثال ان من قراءة كتاب من ألفه الى ياءه يعد عارفا , لكن لا يمنع من كونه غافلا عن تفاصيل ما مر عليه في ثنايا قراءته .
المقدمة الثالثة : مناهج معرفة الدين
وخلاصة الكلام فيها ان أهم المناهج المعتمدة في المعارف العقائدية (التوحيد) هي خمسة :
الأول : المنهج ألنقلي بالمعنى الأعم ,والمقصود به ما يشمل الأخبار النبوية مع انضمام الكتاب العزيز وهو منهج العامة دون الأخذ بأخبار أهل البيت عليهم السلام .
الثاني : المنهج العقلي بالمعنى الأعم الذي يقوم على بداهة العقل وما يعود الى البداهة وتتقوم ملامح هذا المنهج بما يلي :
أ ـ الضروريات العقلية كقانون استحالة اجتماع النقيضين
ب ـ القوانين العقلية العامة كقانون العلية والقضايا المنفصلة وكتقسيم الوجود الى واجب وممكن وهكذا .
ج ـ سيرة العقلاء وأنظارهم في فهم النقل وتأويل النصوص الشرعية التي تخالف العقل لرفع التناقض .
الثالث : المنهج الجمعي بين العقل والنقل ومعالم هذا الاتجاه تتلخص في أربعة نقاط
الاولى : الجمع بين العقل والنقل لعدم المعارضة والتناقض ويحل الظاهر من الرواية بالتأويل .
الثانية : الأخذ بظاهر النقل فضلا عن نصه ان كان مجردا عن القرائن الصارفة ولم ينتف مع حكم العقل .
الثالثة : الرجوع الى القران في فهم معاني القران بحمل المتشابه على المحكم لأنه يفسر بعضه بعضا .
الرابعة : الأخذ بالعقل ان كان من المستقلات العقلية التي يتطابق معها الشرع وهو منهج الامامية .
الرابع : المنهج العملي الارتياضي وهو قائم على سلوك الطرق المؤدية الى تصفية الباطن واستكمال الظاهر بالرياضات الروحية لغرض الوصول الى الحق تعالى وهو منهج الصوفية .
الخامس : المنهج الذوقي وهو منهج يجمع بين العقل والنقل ويلبسهما الذوق والشهود لرؤية الحق تعالى وهو منهج العرفان بمعناه الأخص
وقد تلخص الى هنا ما يلي :
1ـ ان الذي يعتمد على الشرع هم الاشاعرة فقط وهم غالبية أهل السنة والجماعة اليوم.
2 ـ ان الذي يعتمد على العقل فقط وهم المعتزلة .
3 ـ الذي يعتمدهما معا وهم الامامية من المتكلمين .
4 ـ من يعتمد على المجاهدات والرياضات الروحية وهم الصوفية .
5 ـ من يعتمد على الذوق والكشف والشهود وهم العرفاء .
ملاحظتان :
الاولى : ان المنهج الصوفي والعرفاني يدخلان في إحدى المدارس الثلاثة المتقدمة إلا إنا في معرض التفكيك بين المناهج ولهذا جعلناها مستقلة . هذا هم أهم ما يقال في المقام مع الإغماض عما يرد على هذه المناهج وسقمها و صحيحها ان كانت كذلك فتأمل .
الثانية : انقسم اصحاب المنهج العقلي في المعرفة الى مدرستين هما : المتكلمون والفلاسفة ,وتختلف تسمية المعارف بحسب اختلاف العلمين , ففي الوقت الذي تسمى في علم الكلام بأصول الدين او العقائد يطلق عليها الفلاسفة اسم الإلهيات بالمعنى الأخص او مباحث الواجب او المبدأ والمعاد , فحيث أهل الكلام يثبت العقائد من العقل والنقل سموا العقائد بعلم اصول الدين ,بينما تختلف التسمية عند الفلاسفة لان الموضوع عندهم هو الوجود في ضمنه الواجب تبارك وتعالى وهو اشرف الموجودات . وجملة القول نقول : ان منهج المتكلم يختلف عن الفلسفي في ثلاثة مبادئ:
1 ـ الموضوع عند المتكلم هو الله تعالى وسائر أفعاله , وعند الفيلسوف هو الوجود .
2ـ الدلائل حيث المتكلم يعتمد على العقل والنقل , والفيلسوف يعتمد على العقل فقط .
3ـ الغرض من حيث ان المتكلم يحافظ على الشريعة من البدع والشبه من أهل الضلال وغيرهم وهو غرضه الأساسي , والفيلسوف يبحث عن الواقعيات وعدمها التي يجب التمايز بينها وبين الواقعيات .