بسم الله الرحمن الرحيم

معنى الواحد والتوحيد والموحد

حدثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار، عن أحمدابن محمد بن عيسى، عن أبي هاشم الجعفري، قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي الثاني عليهما السلام، ما معنى الواحد؟ فقال: المجتمع عليه بجميع الألسن بالوحدانية(1).

حدثنا محمد بن محمد بن عصام الكليني، وعلي بن أحمد بن محمد بن عمرانالدقاق رضي الله عنهما، قالا: حدثنا محمد بن يعقوب الكليني، عن علي بن محمد،ومحمد بن الحسن جميعا، عن سهل بن زياد، عن أبي هاشم الجعفري، قال: سألت أبا جعفر الثاني عليه السلام ما معنى الواحد؟ قال: الذي اجتماع الألسن عليه بالتوحيد،كما قال الله عز وجل: (ولئن سئلتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله)(2).

حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني رضي الله عنه، قال: حدثنامحمد بن سعيد بن يحيى البزوري، قال: حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي، قال:


حدثنا أبي، عن المعافي بن عمران، عن إسرائيل، عن المقدام بن شريح بن هانئ،عن أبيه، قال: إن أعرابيا قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: يا أمير -المؤمنين أتقول: إن الله واحد؟

قال: فحمل الناس عليه، قالوا: يا أعرابي أماترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: دعوه، فإن الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم، ثم قال: يا أعرابي إن القول في أن الله واحد على أربعة أقسام: فوجهان منها لا يجوزان على الله عز وجل، ووجهان يثبتان فيه، فأما اللذان لا يجوزان عليه، فقول القائل: واحد يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز، لأن ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، أماترى أنه كفر من قال: ثالث ثلاثة.

وقول القائل: هو واحد من الناس، يريدبه النوع من الجنس، فبهذا ما لا يجوز عليه لأنه تشبيه، وجل ربنا عن ذلك وتعالى(3).

وأما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربنا، وقول القائل: إنه عز وجل أحدي المعنى، يعني به أنه لاينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم(4) كذلك ربنا عز وجل.


قال مصنف هذا الكتاب: سمعت من أثق بدينه ومعرفته باللغة والكلام يقول:


إن قول القائل: واحدا واثنين وثلاثة إلى آخره إنما وضع في أصل اللغة للإبانةعن كمية ما يقال عليه، لا لأن له مسمى يتسمى به بعينه، أو لأن له معنى سوى ما يتعلمه الانسان بمعرفة الحساب ويدور عليه عقد الأصابع عند ضبط الآحاد والعشرات والمئات الألوف، وكذلك متى أراد مريد أن يخبر غيره عن كمية شئ بعينه سماه باسمه الأخص ثم قرن لفظ الواحد به وعلقه عليه يدل به على كميته لا على ما عدا ذلك من أوصافه، ومن أجله يقول القائل: درهم واحد، وإنمايعني به أنه درهم فقط، وقد يكون الدرهم درهما بالوزن، ودرهما بالضرب،فإذا أراد المخبر أن يخبر عن وزنه قال: درهم واحد بالوزن، وإذا أراد أن يخبرعن عدده وضربه قال: درهم واحد بالعدد ودرهم واحد بالضرب، وعلى هذا الأصل يقول القائل: هو رجل واحد، وقد يكون الرجل واحدا بمعنى أنه إنسان وليس بإنسانين، ورجل وليس برجلين، وشخص وليس بشخصين، ويكون واحد في الفضل واحدا في العلم واحدا في السخاء واحدا في الشجاعة، فإذا أراد القائل أن يخبر عن كميته قال: هو رجل واحد، فدل ذلك من قوله على أنه رجل وليس هو برجلين،وإذا أراد أن يخبر عن فضله قال: هذا واحد عصره، فدل ذلك على أنه لا ثاني له في الفضل، وإذا أراد أن يدل على علمه قال: إنه واحد في علمه، فلو دل قوله:


واحد بمجرده على الفضل والعلم كما دل بمجرده على الكمية لكان كل من أطلق عليه لفظ واحد أراد فاضلا لا ثاني له في فضله وعالما لا ثاني له في علمه وجوادا لا ثاني له في جوده، فلما لم يكن كذلك صح أنه بمجرده لا يدل إلا على كمية الشئ دون غيره وإلا لم يكن لما أضيف إليه من قول القائل: واحد عصره ودهره معنى،ولا كان لتقييده بالعلم والشجاعة معنى، لأنه كان يدل بغير تلك الزيادة وبغير ذلك التقييد على غاية الفضل وغاية العلم والشجاعة، فلما احتيج معه إلى زيادة لفظ واحتيج إلى التقييد بشئ صح ما قلناه، فقد تقرر أن لفظة القائل: واحد إذا قيل على الشئ دل بمجرده على كميته في اسمه الأخص، ويدل بما يقترن به على فضل المقول عليه وعلى كماله وعلى توحده بفضله وعلمه وجوده، وتبين أن الدرهم الواحد قد يكون درهما واحدا بالوزن، ودرهما واحدا بالعدد ودرهما وحدابالضرب، وقد يكون بالوزن درهمين وبالضرب درهما واحدا، وقد يكون بالدوانيق ستة دوانيق وبالفلوس ستين فلسا ويكون بالأجزاء كثيرا، وكذلك يكون العبدعبدا واحدا ولا يكون عبدين بوجه، ويكون شخصا واحدا ولا يكون شخصين بوجه،ويكون أجزاء كثيرة وأبعاضا كثيرة، وكل بعض من أبعاضه يكون جواهر كثيرةمتحدة اتحد بعضها ببعض، وتركب بعضها مع بعض، ولا يكون العبد واحدا وإن كان كل واحد منا في نفسه إنما هو عبد واحد، وإنما لم يكن العبد واحدا لأنهما من عبد إلا وله مثل في الوجود أو في المقدور، وإنما صح أن يكون للعبد مثل لأنه لم يتوحد بأوصافه التي من أجلها صار عبدا مملوكا، ووجب لذلك أن يكون الله عز وجل متوحدا بأوصافه العلى وأسمائه الحسنى، ليكون إلها واحدا ولايكون له مثل، ويكون واحدا لا شريك له ولا إله غيره، فالله تبارك وتعالى واحدلا إله إلا هو، وقديم واحد لا قديم إلا هو، وموجود واحد ليس بحال ولا محلولا موجود كذلك إلا هو، وشئ واحد لا يجانسه شئ، ولا يشاكله شئ، ولا يشبهه شئ، ولا شئ كذلك إلا هو، فهو كذلك موجود غير منقسم في الوجود ولا في الوهم، وشئ لا يشبهه شئ بوجه، وإله لا إله غيره بوجه، وصار قولنا: يا واحد يا أحد في الشريعة اسما خاصا له دون غيره لا يسمى به إلا هو عز وجل، كما أن قولنا: الله اسم لا يسمى به غيره.


وفصل آخر في ذلك وهو أن الشئ قد يعد مع ما جانسه وشاكله وماثله،يقال: هذا رجل، وهذان رجلان، وثلاثة رجال، وهذا عبد، وهذا سواد، وهذان عبدان، وهذان سوادان، ولا يجوز على هذا الأصل أن يقال: هذان إلهان إذ لاإله إلا إله واحد، فالله لا يعد على هذا الوجه، ولا يدخل في العدد من هذا الوجه بوجه، وقد يعد الشئ مع ما لا يجانسه ولا يشاكله، يقال: هذا بياض، وهذان بياض وسواد، وهذا محدث، وهذان محدثان، وهذان ليسا بمحدثين ولا بمخلوقين،بل أحدهما قديم والآخر محدث وأحدهما رب والآخر مربوب، فعلى هذا الوجه يصح دخوله في العدد، وعلى هذا النحو قال الله تبارك وتعالى: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا - الآية)(5) وكما أن قولنا: إنما هو رجل واحد لا يدل على فضله بمجرده فكذلك قولنا: فلان ثاني فلان. لا يدل بمجرده إلا على كونه، وإنمايدل على فضله متى قيل: إنه ثانيه في الفضل أو في الكمال أو العلم.



فأما توحيد الله تعالى ذكره فهو توحيده بصفاته العلى، وأسمائه الحسنى كان كذلك إلها واحدا لا شريك له ولا شبيه، والموحد هو من أقر به على ما هو عليه عز وجل من أوصافه العلى، وأسمائه الحسنى على بصيرة منه ومعرفة وإيقان وإخلاص، وإذا كان ذلك كذلك فمن لم يعرف الله عز وجل متوحدا بأوصافه العلى،وأسمائه الحسنى ولم يقر بتوحيده بأوصافه العلى، فهو غير موحد، وربما قال جاهل من الناس: إن من وحد الله وأقر أنه واحد فهو موحد وإن لم يصفه بصفاته التي توحدبها لأن من وحد الشئ فهو موحد في أصل اللغة، فيقال له: أنكرنا ذلك لأن منزعم أن ربه إله واحد وشئ واحد، ثم أثبت معه موصوفا آخر بصفاته التي توحد بها فهو عند جميع الأمة وسائر أهل الملل ثنوي غير موحد ومشرك مشبه غير مسلم، وإن زعم أن ربه إله واحد وشئ واحد وموجود واحد، وإذا كان كذلك وجبأن يكون الله تبارك وتعالى متوحدا بصفاته التي تفرد بالإلهية من أجلها وتوحدبالوحدانية لتوحده بها ليستحيل أن يكون إله آخر، ويكون الله واحدا والإله واحدا لا شريك له ولا شبيه لأنه إن لم يتوحد بها كان له شريك وشبيه كما أن العبد لما لم يتوحد بأوصافه التي من أجلها كان عبدا كان له شبيه، ولم يكن العبدواحدا وإن كان كل واحد منا عبدا واحدا، وإذا كان كذلك فمن عرفه متوحدابصفاته وأقر بما عرفه واعتقد ذلك كان موحدا وبتوحيد ربه عارفا. والأوصاف التي توحد الله عز وجل بها وتوحد بربوبيته لتفرده بها هي الأوصاف التي يقتضي كل واحد منها أن لا يكون الموصوف به إلا واحدا لا يشاركه فيه غيره ولا يوصف به إلا هو، وتلك الأوصاف هي كوصفنا له بأنه موجود واحد لا يصح أن يكون حالافي شئ، ولا يجوز أن يحله شئ، ولا يجوز عليه العدم والفناء والزوال، مستحق للوصف بذلك بأنه أول الأولين، وآخر الآخرين، قادر يفعل ما يشاء ولا يجوزعليه ضعف ولا عجز، مستحق للوصف بذلك بأنه أقدر القادرين وأقهر القاهرين،عالم لا يخفى عليه شئ، ولا يعزب عنه شئ، ولا يجوز عليه جهل ولا سهو ولا شك ولا نسيان، مستحق للوصف بذلك بأنه أعلم العالمين، حي لا يجوز عليه موت ولانوم، ولا ترجع إليه منفعة ولا تناله مضرة، مستحق للوصف بذلك بأنه أبقى الباقين وأكمل الكاملين، فاعل لا يشغله شئ عن شئ ولا يعجزه شئ ولا يفوته شئ،مستحق للوصف بذلك بأنه إله الأولين والآخرين وأحسن الخالقين وأسرع الحاسبين، غني لا يكون له قلة، مستغن لا يكون له حاجة، عدل لا يلحقه مذمة ولا يرجع إليه منقصة، حكيم لا تقع منه سفاهة، رحيم لا يكون له رقة فيك ونفي رحمته سعة، حليم لا يلحقه موجدة، ولا يقع منه عجلة، مستحق للوصف بذلك بأنه أعدل العادلين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين، وذلك لأن أول الأولين لا يكون إلا واحدا وكذلك أقدر القادرين وأعلم العالمين وأحكم الحاكمين وأحسن الخالقين، وكلما جاء على هذا الوزن، فصح بذلك ما قلناه، وبالله التوفيق ومنه العصمة والتسديد.



-------------------
(1) هذا الحديث رواه الكليني رحمه الله في باب معاني الأسماء من الكافي، ورواهالمجلسي رحمه الله في البحار في باب التوحيد ونفي الشريك عن المحاسن والاحتجاج وفيه بلفظ(الأحد) كلهم عن أبي هاشم الجعفري، والسؤال ليس عن المفهوم لأن السائل عارف به ولاعن الحقيقة الشرعية إذ ليس له حقيقة شرعية وراء ما عند العرف، بل عن معنى الواحدفي حق الله تعالى أنه بأي معنى يطلق عليه تعالى، فأجاب عليه السلام أنه يطلق عليه بالمعنى الذي اجتمع الناس كلهم بلسان فطرتهم عليه، وذلك المعنى أنه تعالى لا شبيه له ولا شريك له فيالألوهية وصنع الأشياء كما أشار إليه بالاستشهاد بقوله تعالى (ولئن سئلتهم - الآية) كمافي الخبر الآتي، وصرح به بعد ذكر الآية بقوله: (بعد ذلك له شريك وصاحبه)؟! استفهاماإن كاريا كما في البحار عن الاحتجاج، ولا يخفى أن الحديث هنا وما في الكافي والمحاسنوالاحتجاج واحد إلا أن الرواة غيروه بالتقطيع والنقل بالمعنى، أو أبو هاشم نفسه فعلذلك عند نقله للرواة المتعددين، فلذلك ترى لفظ الحديث فيها مختلفا.
(2)العنكبوت: 61، ولقمان: 25، والزمر: 38، والزخرف: 9.

(3) الجنس في اللغة يأتي بمعنى التشابه والتماثل، وقوله عليه السلام: (يريد بهالنوع من الجنس) أي يريد القائل بالواحد هكذا الوحدة النوعية التي تنتزع من الأفرادالمتجانسة المتماثلة كأفراد الإنسان مثلا، والفرق بين القسمين اللذين لا يجوز أن عليه تعالى أن الأول يثبت له وقوعا أو إمكانا فردا آخر مثله في الألوهية أو صفة غيرها وإن لم يكن مجانسا له في حقيقته والثاني يثبت له فردا آخر من حقيقته، فالمنفي أولا الوحدة العددية وثانيا النوعية.

(4) أي لا في الخارج كانقسام الإنسان إلى بدن وروح، ولا في عقل كانقسام الماهيةإلى أجزائها الحدية، ولا في وهم كانقسام قطعة خشب إلى النصفين في التصور.
(5) المجادلة: 7.