بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وال محمد
المسير الى الشام

قال شيخ (1)من أهل الشام حضر صفين مع أمير المؤمنين عليه السلام بعد انصرافهم من صفين: أخبرنا يا أمير المؤمنين عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء من الله وقدر؟

قال: نعم يا أخا أهل الشام والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما وطئنا موطئا ولا هبطنا واديا ولا علونا تلعة إلا بقضاء من الله وقدره.

فقال الشامي: عند الله تعالى أحتسب عناي إذا يا أمير المؤمنين وما أظن أن لي أجرا في سعيي إذا كان الله قضاه علي وقدره لي.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الله قد أعظم لكم الأجر على مسيركم وأنتم سائرون وعلى مقامكم وأنتم مقيمون ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين ولا عليها مجبرين.

فقال الشامي: فكيف يكون ذلك والقضاء والقدر ساقانا وعنهما كان مسيرنا وانصرافنا؟

فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ويحك يا أخا أهل الشام لعلك ظننت قضاء لازما وقدرا حتما لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد والأمر من الله عز وجل والنهي منه، وما كان المحسن أولى بثواب الإحسان من المسيء ولا المسيء أولى بعقوبة الذنب من المحسن.

تلك مقالة عبدة الأوثان وحزب الشيطان وخصماء الرحمن وشهداء الزور وقدرية هذه الأمة ومجوسها، إن الله أمر عباده تخييرا ونهاهم تحذيرا وكلف يسيرا وأعطى على القليل كثيرا ولم يطع مكرها ولم يعص مغلوبا ولم يكلف عسيرا ولم يرسل الأنبياء لعبا ولم ينزل الكتب على العباد عبثا {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ}.


قال الشامي: فما القضاء والقدر اللذان كان مسيرنا بهما وعنهما؟ قال: الأمر من الله تعالى في ذلك والحكم منه ثم تلا {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا}.

فقام الشامي مسرورا فرحا لما سمع هذا المقال وقال: فرجت عني يا أمير المؤمنين فرج الله عنك .

وأنشأ يقول:

أنت الإمام الذي نرجو بطاعته *** يوم النشور من الرحمن رضوانا

أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا *** جزاك ربك عنا فيه إحسانا

نفى الشكوك مقال منك متضح *** وزاد ذا العلم والإيمان إيقانا

فلن أرى عاذرا في فعل فاحشة *** ما كنت راكبها ظلما وعدوانا

كلا ولا قائلا يوما لداهية *** أرداه فيها لدينا غير شيطانا

ولا أراد ولاشاء الفسوق لنا *** قبل البيان لنا ظلما وعدوانا

نفسي الفداء لخير الخلق كلهم *** بعد النبي علي الخير مولانا

أخي النبي ومولى المؤمنين معا *** وأول الناس تصديقا وإيمانا

وبعل بنت رسول الله سيدنا *** أكرم به وبها سرا وإعلانا


قال الشيخ أبو عبد الله المفيد (عليه الرحمة ).*..والقضاء معروف في اللغة وعليه شواهد من القرآن، فالقضاء على أربعة أضرب: أحدها: الخلق، والثاني: الأمر، والثالث: الإعلام، والرابع: القضاء [في الفصل بالحكم].


فأما شاهد القضاء في معنى الخلق فقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ -إلى قوله- فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} يعني خلقهن سبع سموات في يومين.


وأما شاهد القضاء في معنى الأمر فقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} يريد أمر ربك.


وأما شاهد القضاء في الإعلام فقوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} يعني أعلمناهم ذلك وأخبرناهم به قبل كونه.


وأما شاهد القضاء بالفصل بالحكم بين الخلق فقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ} [يعني يفصل بالحكم] بالحق بين الخلق وقوله: {وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ} يريد وحكم بينهم بالحق، وفصل بينهم بالحق.


وقد قيل إن للقضاء وجها خامسا وهو الفراغ من الأمر، واستشهد على ذلك بقول يوسف عليه السلام: {قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} يعني فرغ منه، وهذا يرجع إلى معنى الخلق.


وإذا ثبت ما ذكرناه في أوجه القضاء بطل قول المجبرة أن الله تعالى قضى بالمعصية على خلقه، لأنه لا يخلو إما أن يكونوا يريدون به أن الله خلق العصيان في خلقه، فكان يجب أن يقولوا قضى في خلقه بالعصيان ولا يقولوا قضى عليهم، لأن الخلق فيهم لا عليهم، مع أن الله تعالى قد أكذب من زعم أنه خلق المعاصي لقوله سبحانه: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} فنفى عن خلقه القبح وأوجب له الحسن، والمعاصي قبائح بالاتفاق، ولا وجه لقولهم قضى بالمعاصي على معنى أنه أمر بها، لأنه تعالى أكذب مدعي ذلك بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.


ولا معنى لقول من زعم أنه قضى بالمعاصي على معنى أنه أعلم الخلق بها إذا كان الخلق لا يعلمون أنهم في المستقبل يطيعون أو يعصون ولا يحيطون علما بما يكون منهم في المستقبل على التفصيل، ولا وجه لقولهم إنه قضى بالذنوب على معنى أنه حكم بها بين العباد، لأن أحكامه تعالى حق والمعاصي منهم ولا لذلك فائدة وهو لغو بالاتفاق، فبطل قول من زعم أن الله تعالى يقضي بالمعاصي والقبائح.


والوجه عندنا في القضاء والقدر بعد الذي بيناه في معناه أن لله تعالى في خلقه قضاء وقدرا وفي أفعالهم أيضا قضاء وقدرا معلوما ويكون المراد بذلك أنه قد قضى في أفعالهم الحسنة بالأمر بها وفي أفعالهم القبيحة بالنهي عنها، وفي أنفسهم بالخلق لها، وفيما فعله فيهم بالإيجاد له، والقدر منه سبحانه فيما فعله إيقاعه في حقه وموضعه، وفي أفعال عباده ما قضاه فيها من الأمر والنهي والثواب والعقاب، لأن ذلك كله واقع موقعه، موضوع في مكانه لم يقع عبثا ولم يصنع باطلا، فإذا فسر القضاء في أفعال الله تعالى والقدر بما شرحناه زالت الشنعة منه، وثبتت الحجة به، ووضح الحق فيه لذوي العقول، ولم يلحقه فساد ولا إخلال.

---------------------
1-عن عمرو بن وهب اليماني قال: حدثني عمرو بن سعد عن محمد بن جابر عن أبي إسحاق السبيعي .

*عقائد الشيعة الامامية للشيخ المفيد (قدس سره)