بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد واله اله الطيبين الطاهرين

الفصل الثالث : التقليد في فروع الدين
1 ـ تساؤلات في المقام
2 ـ ادلة وجوب التقليد من الكتاب العزيز
3 ـ سياق دلالة الاية الاولى
4 ـ دلالة الاية الثانية
5 ـ الدليل العقلي
6 ـ موضع الشبهة في المقام
7 ـ الجواب بثلاثة مقامات
8 ـ موضع الشبهة في المقام ايضا
9 ـ تحليل الشبهة
10 ـ الجواب عن الشبهة
11 ـ علامات القطع
12 ـ الطريق الظني بالسنة
13 ـ شروط خبر الواحد الظني
14 ـ علامات صحة المتن
15 ـ علامات صحة السند

الفصل الثالث : التقليد في فروع الدين
وهذا هو المطلب الاساس والعمدة في هذا البحث الذي ينبغي الوقوف عليه بصورةـ نستطيع التعبير عنهاـ تنقح العقل وتعطيه طابع رصين في فهم معنى التقليد في الفروع خصوصا و ان اغلب الاستنباطات تعتمد على الظنون الشرعية ,لكن قبل البدء في عرض مطالب هذا الفصل لنا تساؤلات في المقام لمنكري التقليد ,لابد من طرحها ليتسنى لنا معنى التثبت على التقليد , وعدم ابراحنا عنه في المسائل الشرعية .
السؤال الأول : يزعم اصحاب منكري التقليد انه باطل ويجب الاتصال بالإمام مباشرة لإدراك الواقع ,لكن لم نعلم مؤهلات هذا الاتصال ,وبعبارة ما هي المقومات التي تجعل هذا الشخص مؤهل لنيل اليقين مباشرة ,حيث يفتقر اصحاب هذا الزعم الى بيان كيفية الوصول إليه ؟ .
السؤال الثاني : إذا كان للامام وكيل ونائب شرعي مدرك به اليقين ,فما هو حال المكلفين في فترة انقطاع السفارة على يد السفير الرابع الى يومنا هذا فما هو البديل آنذاك والمفروض ان التقليد باطل هو حكم واقعي لا يتبدل أو غير قابل للنسخ ؟ .
السؤال الثالث : سبب تأخر هذه الدعوى الى يومنا الحاضر , ,لأنها لم تكن متصلة تدريجيا بالسفير الرابع ,وهذا الفاصل الزماني يحتاج الى سبب مقنع لتبريره
السؤال الرابع : بحسب مدَّعاكم ان التقليد باطل وهو حكم واقعي له إذن ما هو سبب تعطيله طيلة هذه الفترة .
السؤال الخامس : نحن نعلم ان حاجة المكلف للامام او نائبة تكمن في كافة مجالاته الدينية والعرفية ,بل هو لا يستغني عن الواقع خصوصا ونحن نعلم انه ما من واقعة إلا ولها حكم شرعي ,فكيف يكون ادراكنا لليقين في جميع هذه المجالات ,نظرا الى ان التقليد باطل ,فهل كل واقعة يخبره الأمام او نائبه بها على نحو التفصيل أو لا ؟ وان كان كيف يتم ذلك ,حيث اصحاب هذا الاتجاه لم يعطوا الضوابط أو القوانين في مرحلة تقنين الواقع ولم يشفوا لنا مدى معالجة هذه الوظائف الشرعية !
السؤال السادس : هل مجرد الدعوى الى المناظرة أو ادعاء الاعلمية يكفي في ادعاء النيابة الخاصة أو لابد من طرق يقينية متبعة نسلكها في سبيل اقناعنا على نحو الجزم واليقين , وما هي تلك السبل ؟ حتى يمكن التعويل عليها وبالنتيجة نكون قد أحرزنا المعرفة اليقينية .
هذا أهم ما يمكن طرحه في المقام , وما لم نجد جوابا عن هذه التساؤلات بصورة مقنعة يقينية ,فنحن لن نبرح عما كنا عليه ,الذي سوغ لنا اللجوء الى البديل , لانا لم نجد الخيار والبديل في حكم العقل من جواز رجوع الجاهل الى المتخصص .

أدلة وجوب التقليد من الكتاب العزيز
الدليل ألنقلي : يمكن ان نستعرض أهم الأدلة النقلية من الكتاب العزيز على جوازه
قوله تعالى : ((وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)) التوبة 122
وقوله تعالى : ((فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ((النحل 43

سيقت الآية الاولى الدلالة على ثلاثة امور
الأول : حجية خبر الواحد الثقة
الثانية : لزوم الاجتهاد في الامور العملية المسماة بالأحكام الشرعية
الثالث : جواز التقليد في الاحكام
إما الأول ,فأنها بينت انه لو كان نفر من المسلمين يتفقه لكان كافيا في الإفتاء والإنذار
واما ثانيا , فان التفقه في الدين يشمل الاحكام أيضا
واما ثالثا : ان إبراز احد المسلمين لو كان كافيا للتصدي للتفقه في الدين ,فما هو الحال بالنسبة الى الكثير من المسلمين ؟ فدل على جواز تقليدهم له
واما دلالة الآية الثانية : فهي وان كانت تعني أهل البيت عليهم السلام , لكن العبرة بعموم اللفظ , و السؤال والعود اليهم بصورة عامة سواء في زمانهم عليهم السلام ,او الى مايعود اليهم من الاحكام كما هو الحال في خبر الصحابي الثقة عنهم عليهم السلام , وان الفتوى هي وما يقابلها[1] مستسقاة من نمير علمهم عليهم السلام ,فسواء السؤال الشفوي او السؤال المستقر في أي زمن من الازمان له اتصال بعيبة علمهم عليهم السلام .

الدليل العقلي : ان معنى الدليل العقلي هو عبارة عن قاعدة تسالمت عليها جميع عقول البشر وهي القائلة ((لزوم رجوع الجاهل الى العالم)) أو (( الجاهل الى المتخصص)) وهذه القاعدة حاكمة على جميع أمور الانسان الحياتية وكافة مجالاته سواء ذلك في الطب أو الهندسة أو الامور اللازمة الأخرى فنجده لم يتحرر عن قيد السؤال أبدا فما هو الوجه في بطلانها في الامور التكليفية دون غيرها ؟! الجدير بالذكر ان الشارع لم يضفي بديلا عن هذه القاعدة , لان رجوع الجاهل الى العالم أمر لايسوغ لأي احد وألا كان الكل متفقه , أو نقول الى فئة خاصة من الناس وهو المطلوب وقد أمضاها الشارع .

موضع الشبهة في المقام
ذكرتم الدليل ألنقلي على جواز أو وجوب التقليد في الحين إنا نجد من يصرح صريحا انه لا يوجد دليل من قبل الشارع المقدس فقد ذكر سماحة السيد الخوئي المقدس انه لم يرد دليلا من الشرع على التقليد قال سماحة السيد في (( ثم ان التكلم في مفهوم التقليد لا يكاد يترتب عليه ثمرة فقهية اللهم إلا في النذر ,وذلك لعدم وروده في شيء من الروايات , نعم ورد في رواية الاحتجاج فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه ...فللعوام ان يقلدوه ,إلا أنها رواية مرسلة غير قابلة للاعتماد[2])) .
الجواب : لفهم رأي سماحة السيد الخوئي ره ,ولكي نكشف مدى جهل هؤلاء وعدم امتلاكهم الأهلية الكافية في تقييم الأقوال في فهم المراد نستعرض الجواب بثلاثة مقامات :
المقام الأول : ما يميز البحث الخارج
البحث الخارج هي المرحلة الأخيرة من الدراسة في الحوزات العلمية سميت بالخارج لأن الدراسة فيها تتم خارج نطاق الكتب التي يعتمدها الأستاذ في تحضير مادته في مرحلة البحث الخارج ...ومن المفيد أن نوضح أن طريقة التدريس في هذه المرحلة تختلف عن طرق التدريس فيما سبقها من المراحل إذ أن المدرس هنا يعرض مادة البحث عرضاً شاملاً مع كافة علماء المذاهب الإسلامية. ودليل كل صاحب رأي ليناقش كل واحد من تلكم الآراء فيفندها بالدليل العلمي والحجج القاطعة ليصل إلى الرأي الخاص له بالمسألة عارضاً معه الدليل الذي اعتمده فيه هذا الرأي. أما الطالب في هذه المرحلة فأن عليه أن يستمع إلى توجيهات الأستاذ في درس للمادة المتفق عليها، والبحث عن أطرافها وما يتصل بها ويمكن أن يصلح دليلاً لها وما يناقش بها ورأي الأستاذ في نهاية المطاف[3].
المقام الثاني : المفهوم النصي , وبعد ان عرفنا ميزة البحث الخارج وما يطرح به مناقشات ,نأتي ألان الى بيان دور طرح هذه المسالة كـ مفهوم (التقليد) ان من الواضح هنالك فرق بين المفهوم والمصطلح اللفظي الذي هو سبب انقداح المفهوم في الذهن فان النشأة الدلالية للألفاظ هي مصطلحات والعبرة بالمفهوم الذي ينبثق منه هذا المصطلح ,فأن الذي طرحه السيد الاستاذ الخوئي المقدس في مرحلة المفهوم وأراد به المصطلح الدلالي اللفظي قال رحمه الله : ((ثم ان التكلم في مفهوم التقليد لا يكاد يترتب عليه ثمرة فقهية)) . ان من الواضح البحث في ان هل للتقليد مصطلح ورد عند الشرع أو لا هو بحث لا ثمرة فيه أبدا , لان العبرة كما قدمنا في روح التقليد ومعنى التقليد ,فإذا كان البحث عن التقليد لا ثمرة فيه أبدا فما هو الوجه في قوله ره : ((يجب على كل مكلف ان يحرز امتثال التكاليف الإلزامية الموجهة إليه في الشريعة المقدسة، ويتحقق ذلك بأحد أمور: اليقين، الاجتهاد، التقليد، الاحتياط(([4] .
المقام الثالث : العمدة في الدليل , ان العمدة في الدليل على التقليد هو الدليل العقلي ,فان البحث عن التقليد في الأصول الشرعية لا يكاد يجدي ثمرة فقهية بعد ان عرفنا ان العقل هو من اقر بوجوب التقليد بصورة عامة فضلا عما نحن فيه ,فان العقل حكم بوجوب رجوع الجاهل الى المتخصص أو العالم بمجاله , نعم حتى لو سلمنا ان الدليل الذي استدل به من الشواهد القرآنية , أو الروائية غير تامة , أو غير ناهضة في بيان اصل مصطلح التقليد ,لكن لم تبتعد كثير عنه ,بل أقرَّت على وجوب التقليد من الناحية العقلية .

موضع الشبهة في المقام ايضا
ان الطريق الذي يقطعه الفقيه هو الظن ,و الظن طريقه غير قطعي وعلى هذا الاساس يكون الظن غير كاشف عن الحكم الشرعي كشفا قاطعا مما يجعل الاحتمال بعدم الوثاقة محتمل في صدور الحكم من مضانه , مضافا الى ان الظن غير دافع للضرر المحتمل الذي يجب دفعه باليقين لا بالظن .
تحليل الشبهة : ان المعترض يسوق دليلا على ان الاحكام الشرعية لابد من معرفة وثاقتها القطعية من ناحية الوجوب أو الحرمة وغيرهما وبدون ذلك يحتمل كون الحكم الشرعي غير واقعي فلا يكون مبرئ للذمة ,حيث ان دفع الضرر المحتمل من ناحية إبراء الذمة متزلزل بالظن الذي ليس فيه الكاشفية التامة عن الحكم الشرعي , لكن المستشكل غفل عن ان المقصود من الظن الشرعي المعتبر غير الظن المطلق الذي هو حالة عدم ركون النفس فيه كما سوف يأتي في الفصل الرابع ان شاء الله تعالى , فنحن لا نأخذ بالظن على هوانه وإطلاقه من دون مقيدات وشروط تجعل من الظن الكاشف عن الحكم الشرعي كشفا غير مستند الى طريقٍ غير قطعي الصدور , لكن كيف يكون الظن مستند الى الطرق القطعية من قبل الشارع حتى يمكن للشارع إمضاء هذا الظن المعتبر ؟ .

الجواب : قبل الجواب لابد لنا معرفة عملية الاستنباط للفقيه من المصادر الأصلية الشرعية اعني الكتاب والسنة والعقل والإجماع , هنالك طريقان للاستنباط الأول : اليقين او القطع , والثاني هو الطريق الظني , وعلامات هذا القطع هي كالتالي :
الأولى : المطابقة لدلالة العقل
الثانية : المطابقة لظاهر القران
الثالثة : المطابقة للسنة المقطوع بها
الرابع : المطابقة للإجماع على تفصيل

فتعد هذه القرائن الأربعة هي أهم القرائن التي تحف باليقين او القطع الذي يؤمن صدور الرواية من المعصوم عليه السلام ,واما الطريق الثاني وهو المعبر عنه بالطريق الظني بالسنة وهو محل كلامنا .

الطريق الظني بالسنة
وهذه الأخبار المظنونة هي الغالبة في نقل الاحكام , بل عمدة الفقه يقوم على هذه الأخبار[5] .
فهنالك طائفتان من الروايات المتواترة وأخبار الآحاد الظنية أما الأخبار المتواترة مندرجة تحت القطع واما أخبار الآحاد مندرجة تحت الظن بلا إشكال[6] .
ما هي شروط حجية خبر الواحد الظني
من الواضح انه ليس كل خبر واحد اعتبره الشارع حجة , بل الخبر الذي استوفى شرائط الحجية , ومن أهم شرائط الحجية هو الاطمئنان والوثاقة بصدور الخبر عن المعصوم ع , إذ ليس كل خبر صادر عن كل احد حجة ,بل الخبر الواصل عن المعصوم ع ,وذلك لان قول المعصوم ع حجة لا غير , ان وثاقة قبول خبر الآحاد لها معياران الأول صحة المتن , الثاني صحة السند .
علامات صحة المتن
الاولى : موافقته للكتاب العزيز او عدم مخالفته له .
الثانية : موافقته لمتون الأحاديث الصحيحة المعتبرة كالمتواترة , او عدم مخالفته لها .
الثالثة : عدم مخالفته لموازين العقل
الرابعة : عدم مخالفته للتأريخ الصحيح
الخامسة : عدم مخالفته لإجماع الأمة

علامات صحة المتن
والمراد من صحة السند اعتباره والوثاقة بصدوره عن المعصوم ع وقد جعلوا ثلاثة شروط لهذا الاعتبار,وهي :
الاولى : ان يكون الراوي عادلاً ليس بفاسق
الثاني : ان يكون إمامياً في معتقده
الثالثة : ان يكون ضابطاً فيما يسمع ويحفظ[7]
وبعد هذا البيان يتضح ان لزوم دفع الضرر لا يدفعه الظن هو إشكالٍ واهٍ غير منسجم مع الموازين العلمية التي قدمناها , حيث ليس كل ظن معتبر وكأن المسالة غير خاضعة للمعايير الموزونة العلمية الدقيقة .


والحمد لله رب العالمين








[1] اعني الفتوى والمفتي

[2] الاجتهاد والتقليد ,للسيد الخوئي رحمه الله تعالى

[3] الموسوعة الحرة ,ويكيبيديا

[4] المسائل المنتخبة ,للسيد الخوئي ره

[5] اصول الفقه وأصول الاستنباط . للشيخ فاضل الصفار ج / 1 ط2 ص146

[6] قد اعرضنا عن ذكر دليل حجية خبر الآحاد ,لكوننا سوف نذكر غايتنا في الاعتماد على مثل هذه الأخبار ,ومن شاء فليراجع كتب الأصول في ذلك .

[7] مصدر سابق