بسم الله الرحمن الرحيم

الفصل الثاني : التقليد في العقائد الدينية
1 الأقوال في مسالة جواز التقليد في العقائد
2 معنى جواز التقليد في العقائد
3 النتيجة
4 كيف يحصل الاطمئنان بمن نقلده في العقائد ,ويكون شرطا في صحة التقليد ؟
5 موضع الشبهة في المقام
6 الجواب عن الشبهة
7 تنبيه

أقول : قد بان لك معنى التقليد ,وفي هذا الفصل سوف نشير الى مطلب مهم جدا وهو دعوى عدم جواز التقليد في العقائد فهو أمر على إجماله صحيح وتام , واما على نحو التفصيل غير تام كما سوف نبينه في الأمر الثاني .
الأمر الأول : الأقوال في جواز التقليد
قال الشيخ الطوسي رحمه الله تعالى : (( ان المقلد للمحق في اصول الديانات وان كان مخطئا في تقليده، غير مؤاخذ به، وانه معفو عنه، وإنما قلنا ذلك لمثل هذه الطريقة التي قدمناها لاني لم أجد أحدا من الطائفة ولا من ألائمة عليهم السلام قطع موالاة من سمع قولهم واعتقد مثل اعتقادهم، وان لم يسند ذلك إلى حجة عقل أو شرع, وليس لأحد أن يقول: ان ذلك لا يجوز لأنه يؤدى إلى الأغراء بما لا يؤمن أن يكون جهلا, وذلك انه لا تؤدى إلى شئ من ذلك، لان هذا المقلد لا يمكنه أن يعلم ابتداء ان ذلك سائغ له، فهو خائف من الإقدام على ذلك، ولا يمكنه أيضا ان يعلم سقوط العقاب عنه ويستديم الاعتقاد، لأنه إنما يمكنه أن يعلم ذلك إذا عرف الاصول وقد فرضنا انه مقلد في ذلك كله، فكيف يعلم إسقاط العقاب ؟ فيكون مغرى باعتقاد ما لا يأمن كونه جهلا أو باستدامته. وإنما يعلم ذلك غيره من العلماء الذين حصل لهم العلم بالأصول وسبروا أحوالهم، وان العلماء لم يقطعوا موالاتهم ولا أنكروا عليهم، ولم يسغ ذلك لهم إلا بعد العلم بسقوط العقاب عنهم، وذلك يخرجه عن باب الأغراء[1])) .
قال الشيخ مرتضى الأنصاري رحمه الله تعالى : ((فالاقوى كفاية الجزم الحاصل من التقليد، لعدم الدليل على اعتبار الزائد على المعرفة والتصديق والاعتقاد، وتقييدها بطريق خاص لا دليل عليه, مع أن الإنصاف: أن النظر والاستدلال بالبراهين العقلية للشخص المتفطن لوجوب النظر في الأصول لا يفيد بنفسه الجزم، لكثرة الشبه الحادثة في النفس والمدونة في الكتب، حتى أنهم ذكروا شبها يصعب الجواب عنها للمحققين الصارفين لأعمارهم في فن الكلام، فكيف حال المشتغل به مقدارا من الزمان لأجل تصحيح عقائده، ليشتغل بعد ذلك بأمور معاشه ومعاده، خصوصا، والشيطان يغتنم الفرصة لإلقاء الشبهات والتشكيك في البديهيات، وقد شاهدنا جماعة قد صرفوا أعمارهم ولم يحصلوا منها شيئا إلا القليل[2])) .
قال السيد محسن الحكيم : ((أدلة التقليد في الفروع، فإنها - لو تمت دلالتها على جوازه في الفروع - دلت على جوازه في الأصول بنحو واحد، فليس الموجب للخروج عن عموم الأدلة إلا الإجماع المستفيض النقل[3])) .
قال السيد الخوئي رحمه الله تعالى : (( نعم ,هناك كلام آخر في انه إذا حصل له اليقين من قول الغير يكتفى به في الأصول أو يعتبر ان يكون اليقين فيها مستندا الى الدليل والبرهان؟ ...الصحيح جواز الاكتفاء به , إذ المطلوب في الاعتقاديات هو العلم واليقين بلا فرق في ذلك بين أسبابهما وطرقهما , بل حصول اليقين من قول الغير يرجع في الحقيقة الى اليقين بالبرهان لأنه يشَّكل عند المكلف حينئذٍ صغرى وكبرى فيقول : هذا ما اخبر ب هاو اعتقده جماعة ,وما اخبر به جماعة فهو حق ونتيجتهما : ان ذلك الأمر حق , فيحصل فيه اليقين بإخبارهم[4])) .
وبعد عرض هذه الأقوال ننقل الكلام الى معنى جوزا التقليد في العقائد ؟

الأمر الثاني : معنى التقليد في العقائد
قال العلامة الحلي في كتابه المعروف الباب الحادي عشر : (( اجمع العلماء كافة على وجوب معرفة الله تعالى , وصفاته الثبوتية والسلبية , وما يصح عليه ,وما يمتنع عنه ,والنبوة , والإمامة ,والمعاد بالدليل لا بالتقليد)) .
تقدم الكلام في الأقوال المجوزة للتقليد في العقائد , لكن نحن نبهنا على ان تمامية هذه الدعوى على الإجمال صحيحة بقي ألان ان نوضح معنى عدم جواز التقليد ليتم الكلام تفصيلا .
ان المقصود من عدم جواز التقليد هو في المسائل والعناوين الرئيسية كالتوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد وكذا في صفاته تعالى كالقدرة والعلم ,وهذا أمر في غاية الوضوح ولا قائل به من احد بجواز التقليد فيه , إنما التقليد في المسائل التي تحمل على هذه العناوين الرئيسية ,ان التفريق بين هذين العنوانين أمر بغاية الأهمية , مضاف الى ذلك ان التقليد لا يسري على إطلاقه في كافة المسائل الفرعية بل في الأعم الأغلب , إنما نحن بصدد الإقرار فقط بجواز التقليد إجمالا ,وليس على نحو الموجبة الكلية , لان الذي يمكنه التدقيق والإمعان في النظر والاستدلال لتحصيل اليقين ,لا يجوز له التقليد في تلك المسائل .
قال الشيخ المظفر رحمه الله تعالى : ((ليس كل ما ذكر في هذه الرسالة [عقائد الامامية]هو من أصول الاعتقادات، فانّ كثيراً من الاعتقادات المذكورة ـ كالقضاء والقدر والرجعة وغيرهما ـ لا يجب فيها الاعتقاد ولا النظر، ويجور الرجوع فيها إلى الغير المعلوم صحة قوله، كالأنبياء والأئمة، وكثير من الاعتقادات من هذا القبيل: كان اعتقادنا فيها مستنداً إلى ما هو المأثور عن أئمتنا عليهم السلام من صحيح الأثر القطعي[5])) .
ولا يُشكَل من قوله رحمه الله تعالى في الرجوع الى الانبياء والأئمة ع دون غيرهم من العلماء , لان الكلام في مطلق الثقة الذي يحصل بكلامه الاطمئنان القطعي ,وإنما ذكر ذلك من باب غرضه الأساسي في إثبات العقائد من طريق أهل البيت ع باعتبارهم الفرد الأكمل ,مضافا انه حتى اصول العقائد استوحيناها من أهل البيت ع فلا وجه للتخصيص .

النتيجة :
أولا : ان التقليد لا يعم الأصول الأساسية كالتوحيد والنبوة .
ثانيا : ان المسائل الفرعية يجوز التقليد فيها ,ليس على الإطلاق كما عرفت .
ثالثا : من أمكنه تحصيل النظر والاستدلال لا يمكنه التقليد , لأنه طريق العاجز القاصر .
رابعا :
حصول الاطمئنان ,وهو شرط في صحة التقليد .

كيف يحصل الاطمئنان بمن نقلده في العقائد ,ويكون شرطا في صحة التقليد ؟
الجواب : وهنا لا بد من الاشارة الى أمرين قبل الجواب :
الأول : ان يكون الانسان غير مقلد في العقائد ,وهو فاقد للاختصاص في هذا المجال .
الثاني : ان يكون غير مقلد في العقائد , وهو واجد للاختصاص .
أما أولا , فما هو مجال الخلاص من مقام الحيرة لو عرضت له شبهة , فلا يخلوا أما ان يعمل بهواه ,او يرجح احد القولين على الأخر من دون ترجيح ,او يتصل بمن يثق به وهو عين التقليد ,من المؤكد ان الأول والثاني باطلان وهو واضح البطلان ,فتعين الثالث وهو المطلوب .
واما الثاني ان كان مختصا في مجال العقيدة إذا بلغ مبلغ الاطمئنان فهو , واما ان لم يبلغ ذلك فيجب التوقف فيه بالنسبة الى المقلد والمتخصص , ومن هنا ينبري أسلوبنا في الجواب بعد هذا البيان , وهو كيف يحصل الاطمئنان بصورة عامة سواء للمتخصص بمجال التوقف او قبل ذلك او بالنسبة الى المقلد ؟
الجواب : ان للعلم بالشيء مطلق يحصل بثلاثة اصطلاحات
الأول : العلم الخاص ,او اليقين بالمعنى الأخص ,وهو المؤلف من جزمين
أ ـ ثبوت المحمول للموضوع
ب ـ الجزم بأستحالة انفكاك المحمول عن الموضوع كـ قولنا الله تعالى موجود
الثاني : العلم العام ,او العلم البسيط ,وهو ثبوت المحمول للموضوع فقط كـ ثبوت القيام لزيد وبهذا الجزم يكون صاحبه معتقدا بتلك النسبة فقط .
الثالث : العلم العادي , او العرفي الذي يكفي فيه الاطمئنان من قبيل العلم بالبرزخ او عذب القبر .
فتحصل الى هنا ان من العلوم ما يكفي فيه الاطمئنان ومنها لا يكفي فهي إما ان يكفي الجزم من طرف واحد فقط او لا بل لابد من تحقق جزمين كما عرفت ذلك , فان وروث الاطمئنان يحصل من خلال هذه الطرق الثلاثة , لكن يبقى شيء وهو ما هو ملاك التشخص في هذه الضروب الثلاثة ؟
ان العلم إما ان يتحصل بطريق القطع او الاطمئنان ,فان حصل لديه القطع فلا كلام ,واما الاطمئنان فله عدة طرق .
الأول : الفحص والمتابعة ,بطريقة الاستقراء للكتب الاستدلالية حتى يحصل ركون النفس , كما هو الحال لمن رام ان يُشكِل على ان مسالة التقليد بأنها باطلة فهو مطمئن بصحة معتقده فلو سألناهم لقالوا نحن تفحصنا وتتبعنا ,ولهذا يعد هذا الطريق هو اشرف الطرق المقبولة والمعمول بها شرعا وعقلا .
الثاني : الخبرة والوثاقة ,وهو الرجوع الى ذوي الخبرة والاختصاص ممن نثق بوثاقتهم
الثالث : الشهرة والسيرة الحسنة , وهو طريق يختص بصاحب المعلومة حيث ان شهرته كافية في وروث الاطمئنان .
الرابع : شمولية المعارف , وهذه الشمولية كلما كانت أوسع كان الاطمئنان أكثر تثبتا ,وهو بخلاف المتخصص المحدود في حقل من حقول العلم[6] .
هذا أهم ما يمكن الاعتماد عليه في المقام

موضع الشبهة في المقام
زعم المشككون في التقليد ان الرواية المروية عن الامام الصادق ع وهي التي يرويها الشيخ المفيد في كتاب تصحيح الاعتقاد للشيخ الصدوق هي تامة الدلالة على عدم جواز التقليد , وهي: قال الصادق ع ((إياكم والتقليد فإنه من قلد في دينه هلك إن الله تعالى يقول اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فلا و الله ما صلوا لهم و لا صاموا و لكنهم أحلوا لهم حراما و حرموا عليهم حلالا فقلدوهم في ذلك فعبدوهم و هم لا يشعرون[7] ))
بعد البيان لو تأملنا لا توجد قيمة لما أفاده المستشكل في خصوص هذه الرواية ,لكن سوف نتعرض لها بعدة اعتراضات .
الأول : إنها مقطوعة السند
الثاني : ان هذه الرواية الوحيدة التي رواها الشيخ المفيد رحمه الله تعالى
الثالث : لم لا يكون ان التقليد المنهي عنه المذموم الذي ذمه الكتاب العزيز دون التقليد الممدوح الذي يورث الاطمئنان كما قدمنا ,قال الله تعالى :
((قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ان تتبعون الا الظن وان انتم ألا تخرصون)) سورة الأنعام ,آية 148
((وإذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قـــالوا بل نتبع ما ألفينا عليه إباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولايهتدون)) . سورة البقرة ,آية 170
والذي يؤيد ذلك ان الامام الصادق ع علل عدم التقليد بأنه مؤدى للشرك في طاعة غير الله تعالى فهو إفتاء تابع لاهواء حيث اتخذوا احبارهم ورهبانهم أرباب من دون الله تعالى ,وهذا غير ما نحن فيه .
الرابع : لم لا يكون النهي في الرواية عن الاستحسان والاجتهاد مقابل النص , وخصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار عصر الامام الصادق عليه السلام محاجاته مع أبي حنيفة .
الخامس : روايات الأصحاب عن الامام الصادق ع أمثال زرارة, ومحمد بن مسلم فهو عملا بالتقليد من حيث ما هو إلا إفتاء .

تنبيه : قد بان لك أيها القارئ العزيز ان مجرد القول بعدم جواز التقليد في العقائد يبدوا للوهلة الاولى صحيح وتام , لكنه كلام على إطلاقه غير صحيح حيث لابد لنا معرفة التمييز بين الأصول الأصلية والفروع التي تنضوي تحتها لكي نعرف مدى تمامية القول بعد جواز التقليد في العقائد فالذي يدعي ان التقليد غير جائز في العقائد لابد له ان يحرر محل الكلام هل مطلقا او لا فان كان مطلقا فعليه الدليل وان كان مفصلا فالأمر هينٌ .
ولله الأمر من قبل ومن بعد








[1] الكتاب : عدة الأصول - المؤلف : الشيخ الطوسي ج /1

[2] فرائد الأصول ,للشيخ مرتضى الأنصاري ج /1

[3] مستمسك العروة الوثقى ,ج /1

[4] كتاب الاجتهاد والتقليد, للسيد الخوئي رحمه الله تعالى

[5] عقائد الامامية , للشيخ : محمد رضا المظفر رحمه الله تعالى

[6] لمن اراد التوسع حول هذا الموضوع عليه بكتاب : فقه العقيدة بحوث في اصول العقيدة والايمان ,للسيد كمال الحيدري

[7] تصحيح الاعتقاد للشيخ المفيد