بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على محمد واله الطيبين الطاهرين

التقليد فوق الشبهات

بحث يناقش مسالة التقليد وكونها من صميم المعارف الدينية ,ويرد شبه المبطلين القائلين بعدم جواز التقليد في منظومتنا الدينية
متكون من عدة فصول
الاول : في معنى التقليد
الثاني : التقليد في العقائد الدينية
الثالث : التقليد في الفروع الدينية
الرابع :الظن عند اهل المعقول

الفصل الأول : في معنى التقليد
1 معنى التقليد لغة
2 ما يستفاد من التعريف
3 التقليد اصطلاحا بثلاثة تعريفات
4 الحق في المختار
5 موضع الشبهة في المقام
6 السؤال الأول
7 السؤال الثاني
8 الجواب عن السؤال الأول
9 الجواب عن السؤال الثاني
10 تنبيهات

التقليد لغة : التقليد في اللغة جعل الشيء على العنق يقال قلّده السيف جعل حمالته على عنقه وقلده القِلادة جعلها في عنقه وقلده العمل جعله على عهدته فكأنه جعله قلادة له وقد يتعدى بفي فيكون بمعنى تبعه وفي المجمع التقليد في اصطلاح أهل العلم قبول قول الغير من غير دليل أ هـ ,وفي المفردات قلدته عملا ألزمته أهـ[1] .
أقول : الذي استفدناه من التعريف اللغوي عدة من الامور :
اولا : ان تقليد بمعنى القلادة وجعله على عهدة الشخص .
ثانيا : انه قد يتعدى بفي بمعنى تبعته في كذا وكذا .
ثالثا : ان التقليد لغة هو قبول قول الغير من غير دليل[2] .
رابعا : التقليد بمعنى الالتزام من ألزمته كذا .
وكل هذه التعاريف صحيحة ولا إشكال فيها أبدا ,ومن حاول التشكيك بان التقليد هو قبول قول الغير من غير دليل يفضي الى عدم جوازه فهو مخطأٌ ,فأنه قد بان انه نقاش لغوي لا ثمرة فيه أبدا ,لان غاية التعاريف اللغوية هي تعاريف اسمية من باب شرح الاسم دون المعنى الاصطلاحي سواءً ذلك بأي مصطلح علمي من انواع العلوم عقائدية أو فقهية أو غير ذلك ,مضاف الى الى ذلك ان المستشكل غفل عن أمر بغاية الأهمية وهو هل قبول قول الغير من غير دليل هو بلحاظ المجتهد أو المقلد المكلف ؟
الجواب : قطعا بحسب حال المكلف فالتعريف ناظر الى الآخذ لا المعطي فهو قبول قول الغير لا عن دليل ,واما المجتهد فقوله مستند الى الأدلة الشرعية كما سوف يتضح لك في الابحاث اللاحقة ان شاء الله تعالى .
التقليد اصطلاحاً : عُرِّف التقليد بأصطلاح أهل الأصول و الفقه بعدة تعريفات ,ونحن وان كان ليس غرضنا الأساسي النقاش فيما هو الصحيح منها والفاسد, إلا انه قد تنفعنا في الجملة ,وذلك بطرح ثلاثة تعريفات لا تخلوا من فائدة علمية .
التعريف الأول : عرف بعض العلماء التقليد ,بأنه هو اخذ قول الغير ورأيه للعمل به في الفرعيات , أو أللالتزام في الاعتقاديات تعبدا بلا مطالبة دليل على رأيه .
التعريف الثاني : وعرفه آخرون ,بأنه الالتزام بفتوى مجتهد من المجتهدين ,فجعل التقليد نفس الالتزام .
التعريف الثالث : وعرفه آخرون ,بأنه العمل بقول الغير وفتواه ,فلم يكتف بالأخذ ,ولم يقنع بالالتزام[3] .

الحق في المختار : ان التعريف الاول جعل التقليد هو الأخذ فقد وجعل العمل والالتزام نتيجتين أو ثمرتين لهذا الأخذ مترتبتين عليه .
أقول : الذي يظهر من هذا التعريف ان مجرد الأخذ لا يعد تقليدا ,بل قوام التقليد هو العمل بالفتوى .
واما التعريف الثاني : فهو جعل الالتزام هو نفس التقليد ولم يأخذ قيد العمل بالفتوى .
واما التعريف الثالث فهو المختار لدى اغلب الفقهاء ,ولا حاجة الى ذكر تعريفاتهم ومن أحب الإطلاع عليهم بمراجعة الرسائل العملية في باب التقليد , حيث صرحت عبائرهم ان التقليد هو خصوص العمل بالفتوى .

موضع الشبهة في المقام
استدل المنكر لجواز التقليد ان مسألة التقليد هي من المسائل المستحدثة والطارئة على المنظومة الدينية وخصوصا في المعارف الفرعية الفقهية !
ولكي يتضح الجواب واضحا على هذا الاشكال , لابد من طرح سؤالين في المقام والإجابة عنهما :
السؤال الأول : هل ان الاشكال منصبٌ على مصطلح التقليد أو روح التقليد , والمعنى المختبئ وراء هذه اللفظة ؟
السؤال الثاني : من هو الآمر بالتقليد هل هو العقل أو الشرع أو كليهما ,وإذا كان العقل هو الآمر فهل هو العقل النظري أو العقل العملي ؟
الجواب عن الأول : ان مجرد الاشكال على المصطلح نراه هينٌ في المقام لان اغلب الإشكالات اللفظية لا ثمرة فيها أبدا إلا من جهة استبدال لفظ بلفظ ,فالذي يطلب الماء مثلا هو لا يطلب المادة اللفظية المتكونة من (م أ ء) بل المعني المتكون من الأوكسجين والهيدروجين الذي يرفع العطش وهكذا في كل امر يطلبه ,مع قطع النظر عن الوضع اللفظي للمعاني هل وهو الذاتية أو الجعلية أو تعهدا ,فلو بدلنا لفظ التقليد وجعلنا بديله الطاعة والانصياع أو الانقياد هل يرتفع الاشكال ؟
من الواضح انه لا يرتفع لانا أخذنا من الألفاظ المعاني فان مجرد التلفظ هو وسيلة لحضور المعاني التي في أذهاننا ,و المعنى كما هو ملحوظ باقٍ وهو وجوب العمل على طبق الفتوى , ومن هنا ندرك خطورة ما أراده المستشكل ففهم .
الجواب عن الثاني : إما هل ان الدليل ألنقلي ناهض أو غير ناهض هذا ما سوف نتعرف عليه في الفصل الثالث من هذا البحث ان شاء الله تعالى , واما هل ان العقل يدل على وجوب التقليد أو لا ؟
فنقول : نحن إذا أخذنا المعنى الروحي للتقليد نجده هو من الامور الفطرية[4] لدى الانسان ولا يمكن بأي حال من الاحوال ان يستغني عنه أبدا في كافة مجالاته الحياتية فان سيرة العقلاء جرت واعتادت على السؤال لمعرفة الجواب وهو معنى التقليد صراحة , فان الانسان الذي يراجع الطبيب ليصف له الدواء لا يطلب من الدليل ,والذي يريد معرفة الطريق لا يسأل من ألمدل عليه الدليل ,وإلا أصبحت الحياة عسر , هذا وسوف نقف على حجية العمل بالظنون في الفصل الثالث فأنتظر .
الجواب عن الشق الثاني من السؤال الثاني : ان الذي دل على وجوب التقليد هو العقل العملي الذي يرى بوجوب العمل بالفتوى ومن هنا نرى صحة التعريف الثالث الذي قيد التقليد بالعمل .

تنبيهات :
أولا : يجب علينا ان نتعامل مع مسالة التقليد تعاملا روحيا معنويا لا لفظياً ,لعدم الثمرة في ذلك كما بينا .
ثانيا : ان انصِباب الكلام على المصطلح يكشف العُقدة التي يعاني منها المستشكل من هذا المصطلح ,وفي هذه الحال يكون شأنه لا غير, وان كان جاز في حقنا التنازل عن مصطلح التقليد ونستعمل رديفه ,ولا إشكال .
ثالثا : ان التقليد أمر عقلي والإنسان دائما ما يتعامل معه تعاملا روحيا ,ولندرك ذلك جيدا ,فانا سوف نتعامل مع هذا الاصطلاح في سائر أبحاثنا المتبقية على هذا الاساس لا مجرد مصطلح من دون المعنى الذي يهدي إليه اللفظ ,فأن الكثير يغمض النظر عن المعاني الروحية للألفاظ مستأنساً بمادتها ,فنجد الكثيرغافلا عن معرفته لمعنى التقليد حقيقة نظير الذي يُشكل على عقيدتنا في زيارة القبور بزعم الشرك في العبادة ولم يعرف معنى العبادة تعريفا حقيقيا , لكي يهتدي الى جادة الصواب .


[1] مصطلحات الفقه ,لسماحة أية الله المشكيني

[2] مجمع البحرين للطريحي

[3] حول هذا التعاريف , راجع كتاب القران والعقيدة أو آيات العقائد :تأليف السيد مسلم نجل حمود الحسيني الحلي رحمه الله

[4] أقول قد حصل نقاش اتجاه من استدل على جواز التقليد كونه من الامور الفطرية ونحن اعرضنا عن ذلك ,لكونه لافائدة منه في محل كلامنا .