إنقلاب الطلاق الخلعي إلى رجعي


المستشار القانوني
رامي احمد الغالبي



يجمع فقهاء المسلمين على إختلاف مذاهبهم الفقهية، فضلاً عن المشرع العراقي بتشريعه لقانون الأحوال الشخصية رقم (188) لسنة 1959 المعدل، على أن الطلاق الخلعي يقع بناءً على إيجابٍ من الزوجة في أن تبذل مالها من حقوقٍ تجاه الزوج سواء كان البذل لكافة الحقوق أو لبعضها، أو إنها تمنح الزوج أموالاً أو أي اتفاقٍ لا يخرج عن نطاق الشرعية القانونية، ومن ثم يقبل الزوج هذا العرض بالبذل ويتلفظ بالصيغة الشرعية لإيقاعه على أن تراعى بعض الشروط التي تستوجبها بعض المذاهب الإسلامية، من توفر شهود مجلس الطلاق وان تكون الزوجة في حالة طهرٍ غير موطوءة فيه، ومن لحظة التلفظ بصيغة الطلاق فان آثاره الشرعية والقانونية تكون نافذ ويكون هذا الطلاق بائن بينونة صغرى إذا كان واقع للمرة الأولى او الثانية و بائن بينونة كبرى إذا كان واقع للمرة الثالثة .
وكذلك يرتب أثر الالتزام بالعدة الشرعية البالغة ثلاثة قروء اعتباراً من تأريخ وقوعه إذا لم تكن الزوجة من ذوات الحيض المنقطع او إنها في سن اليأس أو إن الدخول لم يقع بعد، فعند ذلك لا عدة على الزوجة .
لكن عند الإمامية يوجد أمرٌ يختلف عن بقية المذاهب في ما يتعلق بالرجوع عن البذل من قبل الزوجة حيث يجيز المذهب الجعفري للمرأة أن ترجع عن بذلها خلال فترة العدة الشرعية وينقلب الطلاق حينذاك إلى طلاق رجعي بدلاً من كونه بائن بينونة صغرى بمعنى يصبح للزوج الحق في إرجاع زوجته إلى ذمته سواء كان ذلك قولاً أو فعلاً وعلى وفق الشروط التي ينعقد بها عقد النكاح

وللزوج أيضاً حق الرجوع عن الخلع قبل قبول الزوجة في غير التعليق اما عند التعليق فلا يملك الزوج حق الرجوع عن الخلع والتعليق يأتي بحرف ( متى ) أو ما يدل على ماضيه من العموم كان يقول الزوج ( متى أعطيتني مالاً .. فأنت طالق) والتعليق لا يجوز الرجوع عنه وكذلك لا يجوز للزوج الرجوع عن إيجابه إذا كان هو الموجب وذلك لما فيه من معنى الرجوع عن الطلاق .
الفقهاء الجعفرية يرون ان الخلع إزالة قيد النكاح بفدية من الزوجة مع انفرادها بكراهية الزوج .. فان كانت الكراهة من الجانبين فالفرقة تسمى مبارأة وفي الحالتين يجب أن يقع على وجه المعاوضة المحضة من الجانبين حيث لا يجوز فيه التعليق فتسري فيه أحكام المعاوضات .. وذهبوا إلى ان الخلع طلاق بائن وقالوا ان الخلع طلاق بعوض مقصود لازم لجهة الزوج وهذا مبني على انه يشترط عندهم ان يتبع الخلع بالطلاق .. اما إذا لم يتبع به فقال بعضهم انه فسخ ولو اشترط الزوج لنفسه حق الرجعة لبطل الشرط لأنه مخالف للسنة المستفيضة .. ولكن للزوجة حق الرجوع في البذل في العدة .. فعندئذ يصح للزوج الرجعة وإذا يقع الخلع فلا رجعة للزوج قبل رجوعها في البذل وللزوجة الرجوع مادامت في العدة إذا كانت ذات العدة .. فلو انقضت عدتها أو لم يكن لها عدة كغير المدخول بها والصغيرة واليائسة فلا رجوع لها مطلقا .
كما اشترط فقهاء الجعفرية علم الزوج برجوع الزوجة عن البذل أثناء عدتها .. اما لو انه لا يعلم بذلك حتى خرجت من العدة كان رجوعها لغوا لا عبرة فيه .. وكذا الحال لو علم الزوج بالرجوع إلا انه قد يتحقق مانع شرعي يحول رجوعه بها كان يكون الطلاق مكملاً لثلاث أو انه قد تزوج بأختها أو برابعة قبل رجوعها البذل .
ولاجتهاد فقهاء الجعفرية له ما يبرره .. فقد تجد الزوجة بعد مراجعة نفسها أنها كانت خاطئة في الطلب من الزوج بإيقاع طلاقها لقاء الفدية .. بالإضافة إلى ان في رجوع الزوجة عن البذل فرصة للزوج أيضا في إعادة زوجته المطلقة إلى عصمته .. من ثم استئناف الحياة الزوجية بينهما .
وحيث قالت الامامية ان للمطلقة في الخلع حق الرجوع بما بذلته من عوض مالي مادامت في العدة على شريطة ( ان يعلم الزوج برجوعها عن البذل ولم يتزوج أختها أو الرابعة فمتى علم ولم يكن هناك من مانع فله حق الرجوع بالطلاق ) فان رجع به تصبح زوجة له شرعا من غير حاجة إلى عقد ومهر ولو علم برجوعها بالبذل ولم يرجع بالطلاق يتحول الطلاق البائن إلى رجعي ويترتب عليه جميع إحكامه ويلزم المطلق بإرجاع ما أعطته إياه المطلقة فدية لطلاقها



شروط رجوع الزوجة المطلقة عن البذل .

أولاً : ان يكون الرجوع عن البذل خلال فترة العدة .. فالعدة شرعا هي ( مدة تتربص فيها المرأة لغرض براءة الرحم حتى لا تختلط الأنساب بعد الطلاق أو التفريق .. أو إظهار للأسف أو الوفاء للزوج في حالة الوفاة (.
اما المطلقة غير المدخول بها فلا عدة لها .. وتشير الفقرة الأولى من المادة (47 / 1) من قانون الأحوال الشخصية إلى حالات الفرقة التي يجب فيها العدة على المرأة وتشترط فيها الدخول بالمرأة دخولاً حقيقياً .. وعند الأحناف اوجب العدة على المرأة بعد الخلوة الصحيحة حتى ولو لم يتم الدخول.
وكل فرقة بين زوجين ما عدا الوفاة فعدتها عدة الطلاق سواء أكان خلعا أو لعان أو فسخ بعيب أو انفساخ برضاع أو اختلاف الدين بين الزوجين ومهما يكن .. اتفق الفقهاء المسلمين على وجوب العدة على من طلقت بعد الدخول .. وأنها تعتد بواحدة من ثلاثة حالات :
1- تعتد بوضع الحمل .
2- ان تعتد بثلاثة أشهر هلالية وهي المرأة التي بلغت ولم ترى الحيض أبدا والتي بلغت سن اليأس .. اما الزوجة المدخول بها قبل ان تكمل تسع سنوات من عمرها فقال الحنفية يجب عليها العدة ولو كانت طفلة .. اما المالكية والشافعية فترى لا وجوب للعدة على الصغيرة التي لا تطيق الوطء، وتجب على من تطيقه وان كانت دون التاسعة .. وترى الامامية والحنابلة لا وجوب للعدة على من لم تكمل التاسعة وان طاقت الوطء .

3- ان تعتد بثلاثة قروء وهي من أكملت التاسعة ولم تكن ذات حمل ولا آيسة وكانت من ذوات الحيض بالاتفاق .. وقد فسرت الامامية والمالكية والشافعية ( القرء بالطهر) فإذا طلقها في آخر لحظة من طهرها احتسبت المدة من العدة وأكملت بعده طهرين، وفسرت الحنفية والحنابلة المدة بالحيض فلا بد من ثلاث حيضات بعد الطلاق ولا يحتسب الحيض الذي طلقت فيه .

ثانياً : أن يبلغ المطلق بهذا الرجوع خلال فترة العدة .. وهذا يتفق مع القواعد العامة في أن التعبير عن الإرادة أي الرجوع عن البذل لا ينتج أثره إلا من الوقت الذي يتصل فيه بعلم من وجه إليه وهو المطلق ... ويشترط ان يكون تبليغ الزوج أثناء العدة ... ولا يتوقف رجوع الزوجة عن البذل على موافقة الزوج

ثالثاً : أن يتم الإبلاغ بحيث يستطيع الزوج الرجوع بالزوجة وان لا يمنع من ذلك مانع كزواجه من أختها مثلا أو زواجه برابعة بعدها .

لا فائدة من رجوع الزوجة المطلقة عن بذلها أثناء العدة رغم تحقق علم الزوج بذلك ما لم يتمكن الزوج من ان يرجع زوجته إلى عصمته لوجود إحدى الموانع الشرعية التي تمنعه من الرجوع واستئناف الحياة الزوجية مع مطلقته ففي حالة زواج الرجل بأخت الزوجة المطلقة فلا يجوز للزوج ان يرجع مطلقته إلى عصمته بعد رجوع الزوجة عن بذلها ويحرم على الزوج ذلك .
كذلك لا يجوز للزوج المطلق أن يعيد زوجته المطلقة إلى عصمته بسبب زواجه بزوجة رابعة بعد إيقاع الخلع لئلا تكون الزوجة المختلعة هي الزوجة الخامسة أو في حالة كون الطلاق الخلعي مكملاً للثلاثة وعندها لا يحل للرجل ان يعود إلى مطلقته ثلاث متفرقات وهي التي بانت فيه بينونة كبرى .

رابعاً : بقاء الفدية في ملك الزوج .. فلو خرجت عن ملكه ببيع أو هبة أو وقف فلا مجال لرجوعها بها .. هذا إذا كانت عينا خارجية كثوب خاص .. اما إذا كانت أمرا حكمياً مسلمة جزءا منه فخرج من ملكه ففي صحة رجوعها به مع تكليف الرجل ان يدفع إليها جزءا آخر.