8 - و قول بعضهم - فيما ذكره -: "إن طريق السلف الصالح كان مباينا لطريق الفلسفة و العرفان و كانوا يستغنون بالكتاب و السنة عن استعمال الأصول المنطقية و العقلية كالفلاسفة، و عن استعمال طرق الرياضة كالعرفاء.
ثم لما نقلت فلسفة يونان في عصر الخلفاء إلى العربية رام المتكلمون من المسلمين و قد كانوا من تبعة القرآن إلى تطبيق المطالب الفلسفية على المعارف القرآنية فتفرقوا بذلك إلى فرقتي الأشاعرة و المعتزلة، ثم نبغ آخرون في زمان الخلفاء تسموا بالصوفية و العرفاء كانوا يدعون كشف الأسرار و العلم بحقائق القرآن و كانوا يزعمون أنهم في غنى عن الرجوع إلى أهل العصمة و الطهارة، و بذلك امتازت الفقهاء و الشيعة - و هم المتمسكون بذيلهم (عليهم السلام) - عنهم، و لم يزل الأمر على ذلك إلى ما يقرب من أواسط القرن الثالث عشر من الهجرة قبل مائة سنة تقريبا و عند ذلك أخذ هؤلاء يعني الفلاسفة و العرفاء في التدليس و التلبيس و تأويل مقاصد القرآن و الحديث إلى ما يوافق المطالب الفلسفية و العرفانية حتى اشتبه الأمر على الأكثرين.
و استنتج من ذلك أن هذه الأصول مخالفة للطريقة الحقة التي يهدي إليها الكتاب و السنة.
ثم أورد بعض الإشكالات على المنطق - مما أوردناه - كوجود الاختلاف بين المنطقيين أنفسهم، و وقوع الخطإ مع استعماله، و عدم وجود البديهيات و اليقينيات بمقدار كاف في المسائل الحقيقية، ثم ذكر مسائل كثيرة من الفلسفة و عدها جميعا مناقضة لصريح ما يستفاد من الكتاب و السنة.
هذا محصل كلامه و قد لخصناه تلخيصا.
و ليت شعري أي جهة من الجهات الموضوعة في هذا الكلام على كثرتها تقبل الإصلاح و الترميم فقد استظهر الداء على الدواء.
أما ما ذكره من تاريخ المتكلمين و انحرافهم عن الأئمة (عليهم السلام) و قصدهم إلى تطبيق الفلسفة على القرآن و انقسامهم بذلك إلى فرقتي الأشاعرة و المعتزلة و ظهور الصوفية و زعمهم أنهم و متبعيهم في غنى عن الكتاب و السنة و بقاء الأمر على هذا الحال و ظهور الفلسفة العرفانية في القرن الثالث عشر كل ذلك مما يدفعه التاريخ القطعي .
على أن فيه خطأ فاحشا بين الكلام و الفلسفة فإن الفلسفة تبحث بحثا حقيقيا و يبرهن على مسائل مسلمة بمقدمات يقينية و الكلام يبحث بحثا أعم من الحقيقي و الاعتباري، و يستدل على مسائل موضوعة مسلمة بمقدمات هي أعم من اليقينية و المسلمة، فبين الفنين أبعد مما بين السماء و الأرض، فكيف يتصور أن يروم أهل الكلام في كلامهم تطبيق الفلسفة على القرآن؟ على أن المتكلمين لم يزالوا منذ أول ناجم نجم منهم إلى يومنا هذا في شقاق مع الفلاسفة و العرفاء، و الموجود من كتبهم و رسائلهم و المنقول من المشاجرات الواقعة بينهم أبلغ شاهد يشهد بذلك.
و لعل هذا الإسناد مأخوذ من كلام بعض المستشرقين القائل بأن نقل الفلسفة إلى الإسلام هو الذي أوجد علم الكلام بين المسلمين.
هذا، و قد جهل هذا القائل معنى الكلام و الفلسفة و غرض الفنين و العلل الموجبة لظهور التكلم و رمي من غير مرمى.
و أعجب من ذلك كله أنه ذكر بعد ذلك: الفرق بين الكلام و الفلسفة بأن البحث الكلامي يروم إثبات مسائل المبدأ و المعاد مع مراعاة جانب الدين و البحث الفلسفي يروم ذلك من غير أن يعتني بأمر الدين ثم جعل ذلك دليلا على كون السلوك من طريق الأصول المنطقية و العقلية سلوكا مباينا لسلوك الدين مناقضا للطريق المشروع فيه هذا.
فزاد في الفساد، فكل ذي خبرة يعلم أن كل من ذكر هذا الفرق بين الفنين أراد أن يشير إلى أن القياسات المأخوذة في الأبحاث الكلامية جدلية مركبة من مقدمات مسلمة: المشهورات و المسلمات لكون الاستدلال بها على مسائل مسلمة، و ما أخذ في الأبحاث الفلسفية منها قياسات برهانية يراد بها إثبات ما هو الحق لا إثبات ما سلم ثبوتها تسليما، و هذا غير أن يقال.
إن أحد الطريقين طريق الكلام طريق الدين و الآخر طريق مباين لطريق الدين لا يعتنى به و إن كان حقا.
و أما ما ذكره من الإشكال على المنطق و الفلسفة و العرفان فما اعترض به على المنطق قد تقدم الكلام فيه، و أما ما ذكره في موضوع الفلسفة و العرفان فإن كان ما ذكره على ما ذكره و فهم منه ثم ناقض ما هو صريح الدين الحق فلا ريب لمرتاب في أنه باطل و من هفوات الباحثين في الفلسفة أو السالكين مسلك العرفان و أغلاطهم، لكن الشأن في أن هفوات أهل فن و سقطاتهم و انحرافهم لا تحمل على عاتق الفن، و إنما يحمل على قصور الباحثين في بحثهم.
و كان عليه أن يتأمل الاختلافات الناشئة بين المتكلمين: أشعريهم و معتزليهم و إماميهم فقد اقتسمت هذه الاختلافات الكلمة الواحدة الإسلامية فجعلتها بادىء بدء ثلاثة و سبعين فرقة ثم فرقت كل فرقة إلى فرق، و لعل فروع كل أصل لا ينقص عددا من أصولها.
فليت شعري هل أوجد الاختلافات شيء غير سلوك طريق الدين؟ و هل يسع لباحث أن يستدل بذلك على بطلان الدين و فساد طريقه؟ أو يأتي هاهنا بعذر لا يجري هناك أو يرمي أولئك برذيلة معنوية لا توجد عينها أو مثلها في هؤلاء؟! و نظير فن الكلام في ذلك الفقه الإسلامي و انشعاب الشعب و الطوائف فيه ثم الاختلافات الناشئة بين كل طائفة أنفسهم، و كذلك سائر العلوم و الصناعات على كثرتها و اختلافها.
و أما ما استنتج من جميع كلامه من بطلان جميع الطرق المعمولة و تعين طريق الكتاب و السنة و هو مسلك الدين فلا يسعه إلا أن يرى طريق التذكر و هو الذي نسب إلى أفلاطون اليوناني و هو أن الإنسان لو تجرد عن الهوسات النفسانية و تحلى بحلية التقوى و الفضائل الروحية ثم رجع إلى نفسه في أمر بان له الحق فيه.
هذا هو الذي ذكروه، و قد اختاره بعض القدماء من يونان و غيرهم و جمع من المسلمين و طائفة من فلاسفة الغرب غير أن كلا من القائلين به قرره بوجه آخر: فمنهم من قرره على أن العلوم الإنسانية فطرية بمعنى أنها حاصلة له، موجودة معه بالفعل في أول وجوده، فلا جرم يرجع معنى حدوث كل علم له جديد إلى حصول التذكر.
و منهم من قرره على أن الرجوع إلى النفس بالانصراف عن الشواغل المادية يوجب انكشاف الحقائق لا بمعنى كون العلوم عند الإنسان بالفعل بل هي له بالقوة و إنما الفعلية في باطن النفس الإنسانية المفصولة عن الإنسان عند الغفلة الموصولة به عند التذكر، و هذا ما يقول به العرفاء و أهل الإشراق و أترابهم من سائر الملل و النحل.
و منهم من قرره على نحو ما قرره العرفاء غير أنه اشتراط في ذلك التقوى و اتباع الشرع علما و عملا كعدة من المسلمين ممن عاصرناهم و غيرهم زعما منهم أن اشتراط اتباع الشرع يفرق ما بينهم و بين العرفاء و المتصوفة، و قد خفي عليهم أن العرفاء سبقوهم في هذا الاشتراط كما يشهد به كتبهم المعتبرة الموجودة، فالقول عين ما قال به المتصوفة، و إنما الفرق بين الفريقين في كيفية الاتباع و تشخيص معنى التبعية، و هؤلاء يعتبرون في التبعية مرحلة الجمود على الظواهر محضا، فطريقهم طريق مولد من تناكح طريقي المتصوفة و الأخبارية إلى غير ذلك من التقريرات.
و القول بالتذكر إن لم يرد به إبطال الرجوع إلى الأصول المنطقية و العقلية لا يخلو من وجه صحة في الجملة فإن الإنسان حينما يوجد بهويته يوجد شاعرا بذاته و قوى ذاته و بعلله، عالما بها علما حضوريا، و معه من القوى ما يبدل علمه الحضوري إلى علم حصولي.
و لا توجد قوة هي مبدأ الفعل إلا و هي تفعل فعلها فللإنسان في أول وجوده شيء من العلوم و إن كانت متأخرة عنه بحسب الطبع لكنه معه بالزمان.
هذا، و أيضا حصول بعض العلوم للإنسان إذا انصرف عن التعلقات المادية بعض الانصراف لا يسع لأحد إنكاره.
و إن أريد بالقول بالتذكر إبطال أثر الرجوع إلى الأصول المنطقية و العقلية بمعنى أن ترتيب المقدمات البديهية المتناسبة يوجب خروج الإنسان من القوة إلى الفعل بالنسبة إلى العلم بما يعد نتيجة لها، أو بمعنى أن التذكر بمعنى الرجوع إلى النفس بالتخلية يغني الإنسان عن ترتيب المقدمات العلمية لتحصيل النتائج فهو من أسخف القول الذي لا يرجع إلى محصل.
أما القول بالتذكر بمعنى إبطاله الرجوع إلى الأصول المنطقية و العقلية فيبطله
أولا: أن البحث العميق في العلوم و المعارف الإنسانية يعطي أن علومه التصديقية تتوقف على علومه التصورية و العلوم التصورية تنحصر في العلوم الحسية أو المنتزع منها بنحو من الأنحاء و قد دل القياس و التجربة على أن فاقد حس من الحواس فاقد لجميع العلوم المنتهية إلى ذلك الحس، تصورية كانت أو تصديقية، نظرية كانت أو بديهية، و لو كانت العلوم موجودة للهوية الإنسانية بالفعل لم يؤثر الفقد المفروض في ذلك، و القول بأن العمى و الصمم و نحوهما مانعة عن التذكر رجوع عن أصل القول و هو أن التذكر بمعنى الرجوع إلى النفس بالانصراف عن التعلقات المادية مفيد لذكر المطلوب بارتفاع الغفلة.
و ثانيا: أن التذكر أنما يوفق له بعض أفراد هذا النوع، و عامة الأفراد يستعملون في مقاصدهم الحيوية سنة التأليف و الاستنتاج و يستنتجون من ذلك الألوف بعد الألوف من النتائج المستقيمة، و على ذلك يجري الحال في جميع العلوم و الصناعات، و إنكار شيء من ذلك مكابرة، و حمل ذلك على الاتفاق مجازفة فالأخذ بهذه السنة أمر فطري للإنسان لا محيد عنه، و من المحال أن يجهز نوع من الأنواع بجهاز فطري تكويني ثم يخبط في عمله و لا ينجح في مسعاه.
و ثالثا: أن جميع ما ينال هؤلاء بما يسمونه تذكرا يعود بالتحليل إلى مقدمات مترتبة ترتيبا منطقيا بحيث يختل أمر النتيجة فيها باختلال شيء من الأصول المقررة في هيئتها و مادتها، فهم يستعملون الأصول المنطقية من حيث لا يحسون به، و الاتفاق و الصحابة الدائمان لا محصل لهما، و عليهم أن يأتوا بصورة علمية تذكرية صحيحة لا تجري فيها أصول المنطق.
و أما القول بالتذكر بمعنى إغنائه عن الرجوع إلى الأصول المنطقية - و يرجع محصله إلى أن هناك طريقين: طريق المنطق و طريق التذكر باتباع الشرع مثلا، و الطريقان سواء في الإصابة أو إن طريق التذكر أفضل و أولى لإصابته دائما لموافقته قول المعصوم بخلاف طريق المنطق و العقل - ففيه خطر الوقوع في الغلط دائما أو غالبا.
و كيف كان يرد عليه الإشكال الثاني الوارد على ما تقدمه فإن الإحاطة بجميع مقاصد الكتاب و السنة و رموزها و أسرارها على سعة نطاقها العجيبة غير متأت إلا للآحاد من الناس المتوغلين في التدبر في المعارف الدينية على ما فيها من الارتباط العجيب، و التداخل البالغ بين أصولها و فروعها و ما يتعلق منها بالاعتقاد و ما يتعلق منها بالأعمال الفردية و الاجتماعية، و من المحال أن يكلف الإنسان تكوينا بالتجهيز التكويني بما وراء طاقته و استطاعته أو يكلف بذلك تشريعا فليس على الناس إلا أن يعقلوا مقاصد الدين بما هو الطريق المألوف عندهم في شئون حياتهم الفردية و الاجتماعية، و هو ترتيب المعلومات لاستنتاج المجهولات، و المعلوم من الشرع بعض أفراد المعلومات لقيام البرهان على صدقه.
و من العجيب أن بعض القائلين بالتذكر جعل هذا بعينه وجها للتذكر على المنطق فذكر أن العلم بالحقائق الواقعية إن صح حصوله باستعمال المنطق و الفلسفة - و لن يصح - فإنما يتأتى ذلك لمثل أرسطو و ابن سينا من أوحديي الفلسفة، و ليس يتأتى لعامة الناس فكيف يمكن أن يأمر الشارع باستعمال المنطق و الأصول الفلسفية طريقا إلى نيل الواقعيات؟ و لم يتفطن أن الإشكال بعينه مقلوب عليه فإن أجاب بأن استعمال التذكر ميسور لكل أحد على حسب اتباعه أجيب بأن استعمال المنطق قليلا أو كثيرا ميسور لكل أحد على حسب استعداده لنيل الحقائق و لا يجب لكل أحد أن ينال الغاية، و يركب ما فوق الطاقة.
و يرد عليه ثانيا: الإشكال الثالث السابق فإن هؤلاء يستعملون طريق المنطق في جميع المقاصد التي يبدونها باسم التذكر كما تقدم حتى في البيان الذي أوردوه لإبطال طريق المنطق و تحقيق طريق التذكر و كفى به فسادا.
و يرد عليه ثالثا: أن الوقوع في الخطإ واقع بل غالب في طريق التذكر الذي ذكروه فإن التذكر كما زعموه هو الطريق الذي كان يسلكه السلف الصالح دون طريق المنطق، و قد نقل الاختلاف و الخطإ فيما بينهم بما ليس باليسير كعدة من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ممن اتفق المسلمون على علمه و اتباعه الكتاب و السنة، أو اتفق الجمهور على فقهه و عدالته، و كعدة من أصحاب الأئمة على هذه النعوت كأبي حمزة و زرارة و أبان و أبي خالد و الهشامين و مؤمن الطاق و الصفوانين و غيرهم، فالاختلافات الأساسية بينهم مشهورة معروفة و من البين أن المختلفين لا ينال الحق إلا أحدهما، و كذلك الفقهاء و المحدثون من القدماء كالكليني و الصدوق و شيخ الطائفة و المفيد و المرتضى و غيرهم رضوان الله عليهم، فما هو مزية التذكر على التفكر المنطقي؟ فكان من الواجب حينئذ التماس مميز آخر غير التذكر يميز بين الحق و الباطل، و ليس إلا التفكر المنطقي فهو المرجع و الموئل.
و يرد عليه رابعا: أن محصل الاستدلال أن الإنسان إذا تمسك بذيل أهل العصمة و الطهارة لم يقع في خطإ، و لازمه ما تقدم أن الرأي المأخوذ من المعصوم فيما سمعه منه سمعا يقينيا و علم بمراده علما يقينيا لا يقع فيه خطأ، و هذا مما لا كلام فيه لأحد.
و في الحقيقة المسموع من المعصوم أو المأخوذ منه مادة ليس هو عين التذكر و لا الفكر المنطقي ثم يعقبه هو أن: هذا ما يراه المعصوم، و كل ما يراه حق فهذا حق و هذا برهان قطعي النتيجة، و أما غير هذه الصورة من مؤديات أخبار الآحاد أو ما يماثلها مما لا يفيد إلا الظن فإن ذلك لا يفيد شيئا و لا يوجد دليل على حجية الآحاد في غير الأحكام إلا مع موافقة الكتاب و لا الظن يحصل على شيء مع فرض العلم على خلافه من دليل علمي.