بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وال محمد


هذه جملة من الاشكالات التي تعرض اليها العلامة الطبطبائي رحمه الله تعالى في كتابه المعروف الميزان في تفسير القران
قال :
و نحن إذا راجعنا التشكيكات و الشبه التي أوردت على هذا الطريق المنطقي المذكور وجدنا أنهم يعتمدون في استنتاج دعاويهم و مقاصدهم على مثل القوانين المدونة في المنطق الراجعة إلى الهيئة و المادة بحيث لو حللنا كلامهم إلى المقدمات الابتدائية المأخوذة فيه عاد إلى مواد و هيئات منطقية، و لو غيرنا بعض تلك المقدمات أو الهيئات إلى ما يهتف المنطق بعدم إنتاجها عاد الكلام غير منتج، و رأيتهم لا يرضون بذلك، و هذا بعينه أوضح شاهد على أن هؤلاء معترفون بحسب فطرتهم الإنسانية بصحة هذه الأصول المنطقية مسلمون لها مستعملون إياها، جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم.

1 - كقول بعض المتكلمين: "لو كان المنطق طريقا موصلا لم يقع الاختلاف بين أهل المنطق لكنا نجدهم مختلفين في آرائهم" فقد استعمل القياس الاستثنائي من حيث لا يشعر، و قد غفل هذا القائل عن أن معنى كون المنطق آلة الاعتصام أن استعماله كما هو حقه يعصم الإنسان من الخطإ، و أما أن كل مستعمل له فإنما يستعمله صحيحا فلا يدعيه أحد، و هذا كما أن السيف آلة القطع لكن لا يقطع إلا عن استعمال صحيح.
2 - و قول بعضهم: "إن هذه القوانين دونت ثم كملت تدريجا فكيف يبتنى عليها ثبوت الحقائق الواقعية؟ و كيف يمكن إصابة الواقع لمن لم يعرفها أو لم يتسعملها؟ و هذا كسابقه قياس استثنائي و من أردإ المغالطة.
و قد غلط القائل في معنى التدوين، فإن معناه الكشف التفصيلي عن قواعد معلومة للإنسان بالفطرة إجمالا لا إن معنى التدوين هو الإيجاد.
3 - و قول بعضهم: "إن هذه الأصول إنما روجت بين الناس لسد باب أهل البيت أو لصرف الناس عن اتباع الكتاب و السنة فيجب على المسلمين اجتنابها" و هذا كلام منحل إلى أقيسة اقترانية و استثنائية.
و لم يتفطن المستدل به أن تسوية طريق لغرض فاسد أو سلوكه لغاية غير محمودة لا ينافي استقامته في نفسه كالسيف يقتل به المظلوم، و كالدين يستعمل لغير مرضاة الله سبحانه.
4- و قول بعضهم: "إن السلوك العقلي ربما انتهى بسالكه إلى ما يخالف صريح الكتاب و السنة كما نرى من آراء كثير من المتفلسفين" و هذا قياس اقتراني مؤلف غولط فيه من جهة أن هذا المنهي ليس هو شكل القياس و لا مادة بديهية بل مادة فاسدة غريبة داخلت المواد الصحيحة.
5 - و قول بعضهم: "المنطق إنما يتكفل تمييز الشكل المنتج من الشكل الفاسد و أما المواد فليس فيها قانون يعصم الإنسان من الخطإ فيها و لا يؤمن الوقوع في الخطإ لو راجعنا غير أهل العصمة، فالمتعين هو الرجوع إليهم" و فيه مغالطة من جهة أنه سيق لبيان حجية أخبار الآحاد أو مجموع الآحاد و الظواهر الظنية من الكتاب، و من المعلوم أن الاعتصام بعصمة أهل العصمة (عليهم السلام) إنما يحصل فيما أيقنا من كلامهم بصدوره و المراد منه معا يقينا صادقا، و أنى يحصل ذلك في أخبار الآحاد التي هي ظنية صدورا و دلالة؟ و كذا في كل ما دلالته ظنية، و إذا كان المناط في الاعتصام هو المادة اليقينية فما الفرق بين المادة اليقينية المأخوذة من كلامهم و المادة اليقينية المأخوذة من المقدمات العقلية؟ و اعتبار الهيئة مع ذلك على حاله.
و قولهم: "لا يحصل لنا اليقين بالمواد العقلية بعد هذه الاشتباهات كلها" فيه: أولا أنه مكابرة.
و ثانيا: أن هذا الكلام بعينه مقدمة عقلية يراد استعمالها يقينية، و الكلام مشتمل على الهيئة.
6 - و قول بعضهم: "إن جميع ما يحتاج إليه النفوس الإنسانية مخزونة في الكتاب العزيز، مودعة في أخبار أهل العصمة (عليهم السلام) فما الحاجة إلى أسآر الكفار و الملاحدة؟".
و الجواب عنه أن الحاجة إليها عين الحاجة التي تشاهد في هذا الكلام بعينه، فقد ألف تأليفا اقترانيا منطقيا، و استعملت فيه المواد اليقينية لكن غولط فيه أولا بأن تلك الأصول المنطقية بعض ما هو مخزون مودع في الكتاب و السنة، و لا طريق إليها إلا البحث المستقل.
و ثانيا: أن عدم حاجة الكتاب و السنة و استغناءهما عن ضميمة تنضم إليهما غير عدم حاجة المتمسك بهما و المتعاطي لهما، و فيه المغالطة، و ما مثل هؤلاء إلا كمثل الطبيب الباحث عن بدن الإنسان لو ادعى الاستغناء عن تعلم العلوم الطبيعية و الاجتماعية و الأدبية، لأن الجميع متعلق بالإنسان.
أو كمثل الإنسان الجاهل إذا استنكف عن تعلم العلوم معتذرا أن جميع العلوم مودعة في الفطرة الإنسانية.
و ثالثا: أن الكتاب و السنة هما الداعيان إلى التوسع في استعمال الطرق العقلية الصحيحة و ليست إلا المقدمات البديهية أو المتكئة على البديهية قال تعالى: "فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله و أولئك هم أولوا الألباب": الزمر: 18 إلى غير ذلك من الآيات و الأخبار الكثيرة، نعم الكتاب و السنة ينهيان عن اتباع ما يخالفهما مخالفة صريحة قطعية لأن الكتاب و السنة القطعية من مصاديق ما دل صريح العقل على كونهما من الحق و الصدق، و من المحال أن يبرهن العقل ثانيا على بطلان ما برهن على حقيته أولا، و الحاجة إلى تمييز المقدمات العقلية الحقة من الباطلة ثم التعلق بالمقدمات الحقة كالحاجة إلى تمييز الآيات و الأخبار المحكمة من المتشابهة ثم التعلق بالمحكمة منهما، و كالحاجة إلى تمييز الأخبار الصادرة حقا من الأخبار الموضوعة و المدسوسة و هي أخبار جمة.
و رابعا: أن الحق حق أينما كان و كيفما أصيب و عن أي محل أخذ، و لا يؤثر فيه إيمان حامله و كفره، و لا تقواه و فسقه، و الإعراض عن الحق بغضا لحامله ليس إلا تعلقا بعصبية الجاهلية التي ذمها الله سبحانه و ذم أهلها في كتابه العزيز و بلسان رسله (عليهم السلام).
7 - و قول بعضهم: "إن طريق الاحتياط في الدين المندوب إليه في الكتاب و السنة الاقتصار على ظواهر الكتاب و السنة و الاجتناب عن تعاطي الأصول المنطقية و العقلية فإن فيه التعرض للهلاك الدائم و الشقوة التي لا سعادة بعدها أبدا".
و فيه أن هذا البيان بعينه قد تعوطي فيه الأصول المنطقية و العقلية فإنه مشتمل على قياس استثنائي أخذ فيه مقدمات عقلية متبينة عند العقل و لو لم يكن كتاب و لا سنة.
على أن البيان إنما يتم فيمن لا يفي استعداده بفهم الأمور الدقيقة العقلية و أما المستعد الذي يطيق ذلك فلا دليل من كتاب و لا سنة و لا عقل على حرمانه من نيل حقائق المعارف التي لا كرامة للإنسان و لا شرافة إلا بها، و قد دل على ذلك الكتاب و السنة و العقل جميعا.