بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد واله الطاهرين
مقدمة :

هل للامامة موقعية في القران الكريم ؟
في هذا البحث المصغر نريد ان نتعرض الى موقعية الامامة في القران الكريم من حيث وجودها فهل الامامة موجودة ام لا ؟
الفات نظر : لا يخطر في ذهن القارىء الكريم نحن نريد ان نثبت امامة الائمة عليهم السلام بهذا البحث, وبعبارة لا نريد من خلال هذا البحث ان نثبت امامة الائمة باعيانهم ومصاديقهم فان البحث هنا مفهومي والمراد هو نفس الامامة بما هو منصب الالهي على وزان النبوة والرسالة فكما يدخل الانسان الى القران الكريم ويبحث عن الايات الدالة على التوحيد وكما لو دخل بحثا عن الايات التي تدل على النبوة وكما لو دخل يبحث عن الايات التي تدل على المعاد فيجد من نفسه ان الايات قد دلت على وجود مثل هذه المنازل بل هي جزء مقوم لماهية القران ونعني به اي من صميم منضومته ودستوره وقانونه الذي لا يمكن الاستغناء عنه ومن هنا اصبح التوخي في المنضومة الدينة في القران الكريم من اصول وفروع من المسائل المهمة التي جاءت على شكل نجوم على صدر النبي الخاتم ص على مدار 23 سنة من تشريع وسياسة واقتصاد وما الى ذلك فطبقا لما جاء به القران الكريم من شتى انواع هذه القوانين فنحن نبحث عن المصون لهذه القوانين وديمومة استمرارها فمن الذي يقًّوم هذه القوانين بعد المشرع الرسالي ومن الذي يحفظ وحدة انسجامها وتطبيقها بحسب الموازين الشرعية فهل للخلافة ركن اساسي وجزء من هذا النظام المتكامل وبدونه تصبح الرسالة ناقصة بل ذاهبة وكأن لم تكن . قال الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) المائدة 67
الايات الدالة على الامامة :
وسوف نقسَّم تلك الايات على طوائف بحسب وظيفة الامامة ومعطياتها وبحسب ما يقتضي وجودها ودورها الفعال على كلا الصعيدين الديني والدنيوي .
الطائفة الاولى : ايات استخلاف ادم عليه السلام
الطائفة الثانية : آيات الكتاب
الطائفة الثالثة : آيات الهداية
الطائفة الرابعة : آيات شهادة الاعمال
الطائفة الخامسة : آيات الولاية
الطائفة السادسة : آيات الاصطفاء والطهارة
الطائفة السابعة : آيات الامامة

الطائفة الاولى : استخلاف آدم عليه السلام
قال الله تعالى : (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33)
البقرة من الاية 30 ـ33
وفيها بحثان : الاول دراسة الالفاظ الواردة في الاية , الثاني مايستفاد من هذه الاية
البحث الاول : دراسة الالفاظ الواردة في الاية
أ ـ قوله تعالى : (في الارض) من المعلوم ان شبه الجملة يحتاج الى متعلق يتشبث به والمتعلق لا يخلوا من احتمالات ثلاثة .
الاول : خليفة
الثاني : جاعل
الثالث : بالضمير المستتر في خليفة , لانه مشتق يعمل عمل الفعل
اما الاحتمال الاول : اذا كان قوله تعالى متعلق في جاعل يكون المعنى : ان الخليفة مقيد في دائرة الارض فتكون الخلافة ارضية فقط .
واما الاحتمال الثاني : ان جاعل تتعدى الى مفعولين الاول (في الارض) والثاني (خليفة) فيكون المعنى اخبار من الله تعالى ان الذي هو في الارض جعلته خليفة على نحو (جعلت الاجر بيتا) .
واما الاحتمال الثالث : (الضمير المستتر في خليفة) فتكون الخلافة مطلقة غير مقيدة أي ان المستخلف ارضي ودائرة خلافته مطلقة لاهل الارض والسماء أي الملائكة .



اما الاحتمال الاول فبعيد , وذلك للامور التالية :
1 ـ ان العلم الذي يمتلكه هذا الخليفة علم خاص يفوق الملائكة اذ ان استفهام الملائكة يعرب عن هذا الاحتمال المؤكد (أتجعل)
2 ـ ان سجود الملائكة له يدل على هيمنة ذلك الخليفة على الامور الغيبية من خلال علمه الذي حجبه المولى عن الملائكة وتعليمهم الاسماء
3 ـ ان تقدم الجار والمجرور يعين تعلقه بخليفة وخلاف ذلك يحتاج الى قرينة
4 ـ ان استنكار الملائكة وتساؤلهم لم يكن حول دائرة الاستخلاف بل حول كونه خليفة ارضي فهي فهمت ان هنالك ذاتا في الارض سوف تكون هي الخليفة فجاء الاستنكار منهم (أتجعل فيها ...) وهو متعلق (في الارض) بالجعل . زيادة ايضاح
ان الملائكة كانت تعلم ان دائرة هذا الخليفة عامة للارض ولاهل السماء ولهذا لم يعترضوا او يستفهموا هل ان هذا الخليفة ارضي او سمائي او كليهما بل بدا هذا الامر واضحا لديهم فكان السؤال هو انه كيف تجعل من يسفك الدماء فيها خليفة عاما .
وعلى كلا التقديرين سواء قلنا المتعلق بجاعل او خليفة لا يضر , لان جاعل تأتي بمعنيين الاول بمعنى موجد ,والاخر بمعنى الصيرورة تقول : جاعل في الارض خليفة فالمعمول الاول (في الارض) والثاني (خليفة) وهو المعنى الذي نتوخاه .
ب ـ قوله تعالى ( خليفة) : الاستخلاف الوارد في القران الكريم على نحوين الاول عام والهدف منه اعمار الارض والعالم الكوني والثاني استخلاف خاص وهو خلافة الاصطفاء وهي المقصودة في الاية الشريفة وذلك لان الله تعالى قد ربط الخلافة بالعالم اللدني المحيط بالاشياء ومثل هذا النوع من العالم (وعلم آدم الاسماء) ليس لدى نوع البشر بل لدى نوع خاص ,وبدليل حجبه ايضا عن الملائكة , الا ان علَّمهم آدم فلو كان الهدف منه خليفة ارضي لاجل اعمار الارض وحفظ نظامها وشؤونها فلا موجب حينئذٍ الى كل هذا النوع من العلم بل هي نوع هداية عامة , مضافا نقول : ان اعتراض الملائكة يدل على انهم تصوروا ان الهدف منه ايجاد خليفة يعمر الارض ولمثله يكون سفاكا للدماء فاعتراضهم فحواه نحن احق بها منه لانا معصومون من الزلل .
ج ـ قوله تبارك وتعالى : الاسماء , وهو جمع محلى بالالف والام مفيد العموم انما الكلام في ماهو المراد من هذه الاسماء تشعبت الاراء في ماهو المراد من هذه الاسماء , ومع قطع النظر عن هذه التفسيرات والاتجاهات وهل هي معتبرة او لا نحن نشير الى مرادنا من هذه الاسماء على النحو التالي :
ان العلم بهذه الاسماء اوجد امتيازا لادم ع على الملائكة , وبه استحق الاستخلاف , واذا كان ماذكروا من كون هذه الاسماء هي امور او معاني حصولية لكان الاخرين عند تحصيلهم لها ايضا يستحقون الاستخلاف , ايضا ان هذه الاسماء اجلى وارفع من ان تصل اليها الملائكة , وايضا ان الله تعالى اشار اليه (آدم ع) انبئهم باسماء هؤلاء وهو اسم اشارة لاجمع العقلاء ولا يستخدم لغير العاقل ومنه يعلم ان هذه الاسماء هي ذوات شاعرة حساسة مدركة , وايضا ان الله تعالى عبر عن هذه الاسماء بغيب السماوات والارض ( الم اقل لكم اني اعلم غيب السماوات والارض) حيث جاءت هذه الاية تقرر ماحصل بعد انباء ادم للملائكة بان الذي حصل عليه ادم هو غيب لشرف تلك الاسماء المحجوبة عن غيره .
د ـ قوله تعالى : (العلم) , ان العلم الذي حصل عليه ادم ع من الله تعالى مباشرة من دون كسب وانما هو حضوري امر حاصل بالتجرد وعندما حصل ادم ع على تلك الاسماء انباء الملائكة بها فعلم الملائكة بواسطة ادم ومادام العلم متوسط بالغير فهو حصولي المنال كما هو واضح وكل ماحصل عليه ادم كان قبل نزوله للارض وقبل دخوله الجنة فمقام الاستخلاف هو امر استحق به ادم ع الولاية والرتبة الكونية العامة وهو يدل على انه علم حضوري من نوع خاص على وزان النبوة والرسالة .
تتميم : ان الله تعالى بعد ان خلق ادم وسواه امر الملائكة بالسجود فقعوا له ساجدين , الا ابليس ابى واستكبر , قال الله تعالى ما لك الا تكون مع الساجدين , وهو منوط بالانقياد المولوي لامرهم بالسجود لعظمة هذا المخلوق الحامل لتلك الاسماء القابل لها وهو امر تقديسي وتشريف لادم عليه السلام .
البحث الثاني مايستفاد من هذه الاية :
الفائدة الاولى : ان هذه الاية بينت كيف كانت منذ بداية خلق ادم وانها من اللوازم التي لاتنفك عن الخلقة ومن الامور المهمة التي تتوقف عليها العوالم الغيبية والدنيوية , والا ماهو الداعي الى عرض هذه الاسماء الى الملائكة قبل عالم التكليف ؟
الفائدة الثانية : ان مفاد الاية ليس مفاد انها نبوة او رسالة بل مقام ولاية وخلافة لان التعبير في اللفاظ القران ومفردات القران ليست من نحو التفنن والتذوق بالعبارة بل كل كلمة فيه معنى دقيق يختبيء ورائه (خليفة نبوة رسول) .
الفائدة الثالثة : ان هذه الخلافة كما تبين ليست ارضية فقط بل عرضها الله تعالى على ملائكته مما يدل على ان الخليفة ولايته تكوينية عامة
الفائدة الرابعة : ان الخلافة المستحقة ببركة هذه الاسماء الحضورية وهي ذوات شاعرة كما اشارة اليها تعالى (هؤلاء) كما يدل على انها اشرف من مقام النبوة والرسالة .
الفائدة الخامسة : ان الله تعالى عبر عن هذه الاسماء هي غيب السماوات والارض أي انها محجوبة عن اهل السماء والارض الا من اذن له الرحمن وقال صوابا لا يمسه الا المطهرون لعظمة تلك الاسماء من كونها حية وذوات نورانية شاعرة عظيمة .
الفائدة السادسة : تفيد الاية المباركة من كون وجود الخليفة امر ضروري لابد منه حيث ابتدا منذ الخليقة فلا يعقل ان يقطع في فترة من الفترات فلا يخلوا الزمان من امام مفروض الطاعة وكما اشرنا الى انه ما الداعي الى عرض الخلافة على الملائكة قبل زمان التكليف أفيعقل تكون الولاية منقطعة في زمن التكليف , بل انا نرى انه من الافضل والاولى عرضها على المكلفين قبل اهل السماوات لانهم يفعلون مايؤمرون ولا يعصون الله امرا .
الفائدة السابعة : الذي نستفادة من سجود الملائكة هو الامر بحسن الانقياد والاتباع للخليفة واباء ابليس كان هو الاول من نازع بعد الانقياد والتسليم فاول معصية ظهرت هي عصيان الخليفة!
الفائدة الثامنة : وهي الاهم ان مراتب التوحيد لا تتم الا من خلال التوحيد بالطاعة ولهذا قال المولى تعالى (اخرج) فخروج ابليس كان خروج عن التوحيد .
الفائدة التاسعة : ان اعمال العباد مرهونة تبعا لحسن انقياد وطاعة ذلك الخليفة ولهذا يروى ان ابليس عبد الله تعالى مدة حياته ولا تخلوا بقعة ارض من موضع لسجوده مع هذا ذهبت عبادته كمثل صفوان عليه تراب فاصابه وابل .
الفائدة العاشرة : ان الذي نستفاده من الاية المباركة ان الولاية والامامة هو امر اعتقادي يتوقف عليه الايمان بالله تعالى فخروج ابليس عن التوحيد العبادي بسبب عدم التسليم الى الخليفة والسجود له ,كما انا نرى ان الذي يعكف عن الذنوب او تارك الصلاة لا يوجب كل ذلك من الخروج عن ساحة قدسة وطرده الامر الذي يدل على انه لا مجال في التوقف والتامل في الطاعة وعدمها فاستحقاقه للكفر لا بد ان يكون لامر اعتقادي ضروري .
الفائدة الحادي عشر : ان الذي ترسمة الاية الكريمة على صفحات ذلك الخليفة هو انه يجب تحليه بنفس الصفات التي يتحلى بها المستخلف الذي خلفه واعطاعه منصبه في الارض من جهة انه نائبه والواسطة بين العباد فلا بد من تحليه بصفات عالية نادرة الحصول .








الطائفة الثانية : آيات الكتاب
المقصود من العنوان هو كل اية ورد فيها الكتاب او لفظ القران
قال الله تعالى :( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا ۚ قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) الرعد : الاية (43)
نتناول هذه الاية من عدة جهات :
الجهة الاولى : ان الاية ذكرت شهادتين شهادة الله تعالى وشهادة من عنده علم من الكتاب واقتران الشهادة الثانية بالاولى يدل على عظمة شأنها , والشهادة الثانية هي غيرها لان مقتضى العطف يقتضي المغايرة اذ عطف الشيء على نفسه معيب بل يعد لغوا افيعقل لغوية القران الكريم !
الجهة الثانية : كيفية شهادة الله تعالى ، ان الكفار لما كانوا مشركين فانهم يؤمنون بالقدرة المطلقة لله تعالى غاية انهم يشركون بعبادته ويكفرون بنبوة النبي ص كما انهم يذعنوان ان المعجزات لا تصدر من البشر مباشرة بل بواسطة اقدار الله تعالى أي امور غيبية الا انهم يغالطون ويقولون انه سحر فهم يذعنون ان الامور الاعجازية مصدرها الغيب لكن لا يسلمون ان ماجاء به النبي ص من الكتاب المبين هو معجزة اللهية سماوية ,فشهادة الله تعالى هنا هي اقدار النبي ص واعطائة المعجزة وهي القران الكريم , اذن نقول ان شهادة الله تعالى تعني ان الله تعالى اعطى النبي ص معجزة يحتج بها على الكافرين وهي القران .قال الله تعالى : قل أي يامحمد ص كفى بالله شهيدا بيني وبينكم .
الجهة الثالثة : شهادة من عنده علم الكتاب , وهنا تطرح عدة اسالة في كيفية شهادة هذا الشاهد ,وفي كيفية امكان شهادة على صدق النبي ص وفي مصداقها وذلك لان المشهود به هو النبوة والارسال فكيف يشهد على صدق النبي ولا يكون حاضرا عند تحمله الشهادة وان النبي في الاية المباركة في مقام الاحتجاج فان انباء هذا الشهاد لابد ان يكون جهز بجهاز روحي عظيم على نسق النبي ص لتكون شهادته عدل شهادة النبي ص والا كيف تقبل شهادة من لم يكن يعلم ماهو القران وماهي ابعادة ومعطياته واغواره أفيصح ان يشهد ان كل ماجاء به النبي حال التبليغ ولا يكون حاضرا عند كل مقام , من المعلوم ان النبي ص اذا اخبر بشيء غيبي سماوي يكون علمه به لدني حاضرا عنده , ولابد ان يكون الشاهد بهذه الصفات ايضا لان الشهادة مقتضي لمطابقة ماجاء به المشهود وهو شخص النبي ص .
الجهة الرابعة : قوله تعالى (من عنده علم الكتاب) هنا ليست من التبعيضية الجارة كما في قضية عاصف بن برخيا ( قال الذي عنده علم من الكتاب) بل هي مَن والتقدير كفى بالله شهيدا بيني وبينكم والذي عنده علم الكتاب أي كله , فالشاهد كان على مقام او وزان النبوة والرسالة قال الله تعالى : وانفسنا وانفسكم , فان اسم الموصول (من) معطوف على شهادة الله تعالى وهو يقتضي الموازنة والتطابق .
الطائفة الثالثة : آيات الهداية
المقصود من ايات الهداية هي كل اية فيها لفظ الهداية ونحن نذكر اية كنموذج والا لا يسعنا ذكر الايات وعرضها وتحليلها كما فعلنا سالفا .
قال تعالى (انما انت منذر ولكل قوم هاد) الرعد :7
ووجه الاستدلال على الامامة في عرض هذه الاية نوكله الى التفصيل الاتي :
من هو المقصود بالهاد فقد ذكر بعض المفسرين ان المقصود هو النبي ص أي انك هاد لكل قوم وهو ضعيف من خلال البيان التالي :
اولا : لو كان التفسير ان النبي هو المنذر وهو الهاد لوقعنا بمحذور اعرابي , وهو ان الواو المتوسطة (ولكل) المفروض ان لا يفصلها عامل وهو الجار والمجرور فلا يجوز فصل المتعاطفين بعامل لان المعنى سوف يكون انت منذر وانت هاد من دون فصل بينهما لوجود مبتدا مقدر فيكون المعنى انت منذر وانت هاد لكن هذا التفسير لا يساعد , لامرين الاول الاصل عدم التقدير ,وثانيا ان الفصل بين الجملتين بعامل وهو (لكل) يفضي الى عدم عطفها , فالجملة مستأنفة .
ثانيا : ان مجيىء اداة العموم (كل) والتنوين في (قومٍ وهادٍ) يدل على الاستغراق وان لكل قوم هاد وحيث ان عمر النبي ص محدود وليس باقٍ في هذه النشأة لجميع الاقوام فبتكثر الاقوام يتكثر الهاد .
ثالثا : ان المقصود بالهداية هي الهداية الايصالية وليست الارائية ,وذلك للمقابلة بين الانذار والهداية .
رابعا : ان الكفار طلبوا من النبي انزال اية وتكون مظهر لقدرة الباري واثبات مدعاه قال تعالى : وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ۗ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ , فان طلبهم لانزال هذه الاية كان من حيث ولاية النبي ص لا من حيث رسالته , لانهم طلبوا المعجز كما هو واضح بالتدبر , فيكون جواب طلب الكفار انما انت منذر أي من حيث رسالتك لا تجري بيدك الاية بل ظهور الاية وتبليغها ,والمعجز بيد الهاد ومن له الهداية الايصالية .







الطائفة الرابعة : آيات شهادة الاعمال
قال تعالى : (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) التوبة : الاية 105
وقال تعالى : (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ) البقرة : الاية (143)
ان مفاد الاية الكريمة الاولى تعطي جانب واضح في سنخية الرؤية الالهية وكونها من سنخ رؤية الرسول ورؤية الرسول من رؤية الؤمنين , والسؤال كيف تكون الرؤية والشهادة بالحس وهي من سنخ رؤية الله تعالى بل هو ممتنع في حقه تعالى على ماقرر في محله عقلا ,وممتنع في حق النبي ص والمؤمنون للمسانخة في تلكم الرؤية , ولتحرير محل النزاع نقول ماهو المراد من الرؤية هل الحسية او الرؤية الروحية أي التي هي عبارة عن احاطة بكل مجريات عالم التكليف للناس ,فمن المحال ان تكون المقصودة هي الرؤية الحسية المادية , وذلك للمسانخة كما اشرنا , وايضا ان الشهادة والرؤية في المقام هي شهادة على اعمال الناس باطنا وظاهرا والاية مطلقة فكيف تكون الرؤية بالباطن اذا كانت الرؤية مادية حكرا وحصرا ؟ .
واما الاية الثانية فهي تعطي نوعين من الشهادة الاولى شهادة (الامة الوسطى) وشهادة (الرسول) حيث فرع تعالى غايتين على الوسطية شهادتهم على الاعمال وشهادة الرسول عليهم , وهذه الوسطية ليست متوفرة عند جميع البشر بل لافراد مجهزين بجهاز العلم ومتحلين باكمل الصفات الخلقية والعلمية والعملية لتكون شهادتهم مرضية وهو الذي نعبر عنه اصطلاحا بالعصمة , والا كيف يشهد من به سقم ,فهو متحلي باعلى الكمالات الروحية كاسابقتها من سورة التوبة , إذن مانستفيده من خلال مفهوم الاية ان الرسول له مقام الشهادة على كل الامم والائمة على كل اعمال الناس , واما قوله تعالى (وسطا) هو تعبير عن الواسطة في الفيض الالهي بين الله تعالى والناس وهو الامام








الطائفة الخامسة : ايات الولاية
قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ) النساء : الاية 59
لفهم مقام الولاية وكونه منصب اللهي مستقل نتعرض لمفاهيم هذه الاية ويكون العرض على ثلاثة مباحث :
الاول : امامة اولي الامر وولايتهم
الثاني : عصمة اولي الامر
الثالث : المراد من اولي الامر
المبحث الاول : امامة اولي الامر وولايتهم ,وهو موقوف على ثلاثة مقدمات :
المقدمة الاولى : ان القران الكريم تحدث عن منصبين ومقامين للنبي الخاتم ص الاول هو تلقي الوحي وتبليغه وهو المسمى بالنبوة والرسالة , والثاني الولاية والزعامة والسلطة قال تعالى : (النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم) الاحزاب :6
المقدمة الثانية : ان النبي ص واجب الطاعة مطلقا قال تعالى : ( وما ارسلنا من رسول الا ليطاع باذن الله) أي طاعته مستمدة من الله تعالى وفي طوله .
المقدمة الثالثة : ان طاعة اولي الامر من طاعة النبي وطاعة النبي من طاعة الله تعالى بحسب ماقررته الاية لمقتضى الاطلاق والمشاركة بحرف العطف الذي هو الواو .
المقدمة الرابعة : انه قد دلت الدلائل القطعية على ختم النبوة وهو اوضح من ان نبينه على صفحات هذا السفر المتواضع , وعليه ان طاعة اولي الامر مستمرة وباقية وهي غير النبوة اعني الولاية المشار اليها في الاية المباركة .
فقد تبين ان اولي الامر هم الولاة وواجبي الطاعة المطلقة وهم ليسوا بانبياء
المبحث الثاني : عصمة اولي الامر ,ويمكن بيان هذا المبحث بطريقين من الاستدلال:
الطريق الاول : ان طاعة اولي الامر عين طاعة الرسول , وطاعة الرسول مطلقة فطاعتهم مطلقة , وكل من كانت طاعته مطلقة فهو معصوم , فالنتيجة اذن (اولي الامر معصومون) وهو غاية العصمة الفعلية والقولية .
الطريق الثاني : انه لو لم يكونوا معصومين للزم التضاد والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان .
بيان : ان الاية المباركة قد اسست ان الطاعة المذكورة هي طاعة مطلقة أي بالقول والفعل وهو مقتضى التصريح بالعصمة وكنايتها ابلغ , فكيف تكون الطاعة مطلقة من جهة ومن جهة اخرى نكون مامورين بعدم اتباع اولي الامر لانهم غير معصومين أفيامر الله تعالى من حيث ينهى !
المبحث الثالث : المراد من اولي الامر , نتناول هذا البحث من زاويتين الاولى : امامتهم , والثانية: عصمتهم
ان البحث عن هذا العنوان القراني (اولي الامر) يقتضي تحليله الى كلمتين
الاولى : (اولي) وهي اسم جمع , الواحد من معناه (صاحب) فمعنى اولي أي اصحاب
الثانية : (الامر) وترد في اللغة على معنيين رئيسين وقد عدّ المحققون المعاني الاخرى لكلمة (الامر) مصاديق لهذين المعنيين فارجعوا سائر الاستعمالات اليهما
أـ الامر بمعنى الطلب كـ قوله تعالى (ان الله يامركم ان تؤدوا الامانات الى اهلها) وجمعها اوامر
ب ـ الامر بمعنى الشيء او الشأن وجمعه امور كقوله تعالى (وامرهم شورى بينهم) ويبدو واضحا ان المراد هو المعنى الثاني كما يمكن حملها على الاول ايضا .
حيث يبدو معنى اولي الامر أي اصحاب الشأن , وعليه يتبين ان هنالك مجموعة خاصة لها موقع القيادة والتقدم وهم المرجعية بعد النبوة والرسالة وامتدادا لها كما سلف انفا والنيابة تكون في امور الدين والدنيا وهو مقتضى الامامة والولاية .
واما عصمتهم فلما تقدم من الابحاث المتقدمة ولاحاجة الى اعادة هذا المطلب لما اوضحناه سابقاً , واما سبب دخالته في العنوان فهو لما عرفت من اهمية هذا الركن الاساسي بل هو المقتضي لاتباعهم من كونهم ولاة امر .
الطائفة السادسة : آيات الاصطفاء والطهارة
قال تعالى : (إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) (79) الواقعة
وقال عز من قال : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (33) الاحزاب
ولكيفية الاستدلال بهذه الاية لمقام الطهارة والعصمة لاهل البيت ع وهو مانعبر عنه بالاصطفاء لابد من تحليل مفردات هذه الاية على النحو التالي :
اولا : كلمة انما , وهي للحصر بالاجماع والمقصور عليه هو اذهاب الرجس , والمعنى ان اذهاب الرجس محصور بهؤلاء .
ثانيا : كلمة عليكم اهل البيت , ان تكرار اعادة الاسم (اهل البيت) بعد الضمير (عليكم) دال على الاختصاص ايضا , اي المخاطب هم اهل البيت فقط .
ثالثا : كلمة يريد , ماهي الارادة في المقام هل الارادة التشريعية ام التكوينية ولتحديد الفرق بين الارادتين نقول : انه لو كانت ارادته ارادة تشريعية والهدف منها اي من التكاليف الشرعية هو تطهير اهل البيت ع وحينئذٍ لا مجال للتخصيص هنا باهل البيت ع حيث ان المعنى ان ارادته تعالى متعلقة بصدور الفعل الواجب تشريعا من غيره بارادته واختياره كما في ارادة الله تعالى صدور العبادات والواجبات من عباده باختيارهم وارادتهم وحملها عليهم فقط لاخصوصية فيه لان الكل مخاطب بالطهارة حينئذٍ قال تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (222) فاطر , فان تعليل الاعتزال لا يختص باهل البيت ع بل لكل مكلف بخلاف مالو كانت الارادة تكوينية , واما الارادة التكوينية وهي بمعنى ان ارادة الله تعالى قد تعلقت بخصوص اهل البيت ويريد بارادة كائنة فيهم وبعيدين عن الرجس اذن الارادة هنا تكوينية وليست تشريعية.
رابعا : الرجس , والمراد منها القذارة الاعم من الظاهرية والباطنية بدليل المفعول المطلق (تطهيرا) وهو يفيد الاطلاق ومفاده العصمة .
خامسا : اهل البيت , ماهو المراد من اهل البيت في الاية المباركة تقف مدرسة الصحابة امام هذه الاية محط انظارهم في تفسير ماهو المراد من اهل البيت وتوسعوا في ذلك لشمولها نساء النبي ص ايضا وهذا التفسير لدى العامة يكادون يطبقون على افادته من سياق الاية , كما هو واضح للوهلة الاولى وبحسب النظرة السياقية وهو من اهم اشكالات العامة اعني وحدة سياق الاية الة على دخول نساء النبي ص ونحن نكتفي بذكر هذا الاشكال باعتبارة الاقوى بنظرنا ولكي نجيب عنه بكل حيادية وموضوعية بعيدا عن النظرة التعصبية التي قد لاتخلوا من التعاطف امام التفسير المزاجي الذي مفادة التفسير العاطفي او الميلي .
قال الله تعالى : (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (32) ـ (33) الاحزاب
التحليل الموضوعي للاية :
اولا : لكي يمكننا ان نتخذ وحد السياق في الاية المباركة هو العلم بوحدة الكلام ليكون بعضه قرينة على بعض .
ثانيا : لابد من نزولها دفعة واحدة لتكون قرينة على وحدة السياق ,واثبات انها نزلت دفعة واحدة متعسر جداً بالبيان في الامر الثالث الاتي .
ثالثا : ان جميع الضمائر الواردة في الايات المرتبطة بالنساء مؤنثة سواء منها ماجاء قبل اية التطهير كقوله تعالى (يانساء النبي ...ومن يقنت منكن ... يانساء النبي لستن ...ان اتقيتن فلا تخضعن ...وقلن ...وقرن في بيوتكن ولاتبرجن ...واقمن الصلاة ...) وهكذا فنرى ان الخطاب لنساء النبي بالضمائر المؤنثة , وتاتي اية التطهي بين هذه الايات بالضمائر المذكرة مضافا على ان لحن الخطاب في نساء النبي يختلف عن لحنه مع الخطاب لاهل البيت , فان الخطاب الاول لنساء النبي ص كان اما لنيل المرتبة العليا من الاكرام والمثوبة من الله تعالى او العقوبة كما هو واضح وهو منوط بارادتهن (ان كنت تردن تردن الحياة الدنيا ...وان كنتن تردن الله ورسوله ...) فهي تدل على الارادة من نساء النبي ص اما الطاعة والانصياع او العقوبة والخذلان , وهذا بخلاف المقطع المرتبط باهل البيت فانه يحكي تعلق ارادة الله تعالى (يريد الله...) لا ارادتهم كما في نساء النبي .
وهذا يدل على امرين :
الاول :ان لحن الاية مختلف في الخطاب .
الثاني : يدل على عدم نزولها دفعة واحدة وهو مانتوخاه ونرمي اليه .
نعم يبقى الاشكال انه اذا كانت الايتان غير منسجمتين فلماذا كانت كلسياق الواحد بحسب ترتيبها النظمي ؟
الجواب : ان الخطاب الموجه الى نساء النبي يلوح الى ان نساء النبي او بعضهن كانت لا ترتضي العيش في بيت النبي ص من ضيق الضنك فاشتكين اليه للتوسعة عليهن في الحياة وما في صحيح مسلو والبخاري يؤيد ذلك من استيائهن في المعيشة معه ص , فكأن موقع اية التطهير للتدليل على اسرة النبي ص منقسمة الى قسمين قسم يراد منه الامتثال والتادب والاتصاف بالاخلاق الحميدة من حيث انهم منتسبين الى شرف النبي ص وقسم اصطفاهم الله تعالى بارادته المحتومة وطهرهم تطهيرا ليقتدى بهم .
الطائفة السابعة : آيات الامامة
المقصود من العنوان هو كل اية ذكرت الامامة صريحا
قال تعالى (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)الانبياء (73)
وقال تعالى (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)البقرة (124)
هذه الاية من صورة البقرة هي من اهم الايات التي تعطي جلاءً واضح الدلالة على هذا المنصب العظيم ولكيفية الاستدلال بها نشرع في البيان التالي لمفاد الاية :
اولا : ان الله ابتلى ابراهيم ع بعدة ابتلاءات منها ذبح اسماعيل ومنها بناء الكعبة الى الخ... , وان الله تعالى اعتبر نجاح ابراهيم ع هو اعطائه هذا المنصب الذي هو على وزان النبوة والرسالة .
ثانيا : ان تنصيب هذا المنصب لا يسوغ لاي احد الا من ارتضى الله تعالى قوله حيث قال (اني جاعلك) و(عهدي) فان الامامة جعل اللهي وعهد الله تعالى ولا يمكن والحال هذه ان يكون حق للبشر قطعا .
ثالثا : ان ابراهيم كان نبي ايام نيله لهذا المنصب الالهي ,بل كان على كبر سنه ليكون اماما وهو منصب غير النبوة كما حاولت مدرسة الصحابة تفسير ذلك وهو عقيم ,وذلك للدليل الاتي :
لو كانت الامامة مرادفة لكلمة نبوة النبوة فهي اما نفس مرتبتها او دون النبوة او اعلى مرتبة ,فعلى الاحتمال الاول يكون عبثا تعالى الله عنه, وهل يعقل من العالم الحكيم ان يقول ياابراهيم انت نبي واعطيتك النبوة ! واما الاحتمال الثاني قبيح في ذاته تعالى اذ كيف يكون المكافأ به دون الاستحقاق ! والثالث هو المطلوب .
رابعا : ان الله تعالى استبعد ان يكون منصب الامامة لظالم حيث سأل نبي الله ابراهيم ع النبوة لذريته فقال المولى لا ينال هدي الظالمين ,و المراد من الظالمين هو مطلق صدور المعصية بلا قيد وشرط ,ولزيادة الايضاح نشير الى امرين في المقام :
الاول : ان الظلم مرتبة من مراتب الشرك ,بل ان جميع الذنوب تعود الى الشرك , لان الشرك إشراك غير الله تعالى في ما هو له , سواء في الطاعة والمتابعة كما قال تعالى (الم اعهد اليكم يابني ادم ان لا تعبدوا الشيطان)يس :60 وقال تعالى ايضا (أفرايت من اتخذ الهه هواه) او سواء في الفعل والتدبير كما قال تعالى (فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آَتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) (191)الاعراف
فالشرك لا ينحصر بعبادة الاوثان , بل اتباع وطاعة غير الله هو ايضا شرك قال تعالى : (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (31)التوبة
وغير خفي ان اليهود والنصارى لم يعبدوا احبارهم ورهبانهم , الا انهم اطاعوهم وتبعوهم في ما لايرضى الله تعالى به , فتبين ان الظالم لا يستحق مرتبة الامامة دون ادنى شك لاطلاق الاية في جميع انواع الظلم ابتداء من اعلى مرتبة الى ادناه .
الثاني : ان ابراهيم ع سأل الامامة لذريته , فجاء الرد من قبل الموالى تبارك وتعالى انه لا ينال عهدي الظالمين , السؤال المهم من هم الذرية الذين سأل ابراهيم ع لهم هذا المنصب الالهي حتى ان الله تعالى قال (لا ينال عهدي الظالمين) ؟
الجواب : يمكننا ان نستعرض اقسام الظالمين من خلال القسمة العقلية الحاصرة التي مفادها مانعة الخلوا .
أ ـ الاول من كان ظالما من بداية حياته الى نهاية عمرة .
ب ـ من كان ظالما اخر حياته دون اول حياته .
ج ـ من كان ظالما اول حياته دون اخر حياته .
د ـ من لم يكن ظالم ابدا لا من بداية حياته ولا اخرها .
السؤال هل يعقل ان يسال ابراهيم ع الموالى ان يعطي الامامة للقسم الاول ؟ من الواضح ان الحكيم ومن له منصب النبوة يعطي الاشياء مستحقاتها فكيف يسأل الله تعالى ان يكون القائد ظالم جائر ! ,واما القسم الثاني فهو ايضا خلاف مقتضى حكمته عليه السلام ان يسأل الامامة من كانت عاقبته سوء ومصيره جهنم , واما القسم الثالث فهو الذي يطابق حكمة نبوته وهو سؤال عمَّن تاب واصلح هل يكون اماماً فأجاب الموالى تعالى انه هذا القسم محال ايضا , لما علمت من الامر الاول ان المعصية والذنب هو مصداق للظلم ,بل الشرك ,وان الذي ينال هذا المنصب هو من لم يكن لديه ادنى مرتبة من مراتب الشرك سواء بالطاعة اوغيره من انواع التوحيد , فتبين من هذا البيان ان القسم الرابع هو من يكون مؤهل لنيل هذا المنصب الالهي , وهو من لم يكن ظالم من بداية حياته الى ان يموت ,وهو مفاد العصمة العلمية والعملية .
يستنتج من ذلك الامور التالية :
اولا : ان الامامة منصب اللهي غير النبوة
ثانيا : ان الامامة عهد الله تعالى هو المنصب الوحيد وما دونه كالنبي او الامام بالعرض .
ثالثا : ان الامام يجب ان يكون معصوما من جميع انواع الذنوب .
رابعا : ان الامامة اعلى مرتبة من النبوة , وذلك لما عرفت ان الامامة منصب اللهي متوقف على الابتلاءات التي شرع بها ابراهيم ع في زمن نبوته حتى نال اعلى مرتبة من مرتبة النبوة .





خاتمة وفيها امران :
الاول : ان الامامة منصب اعتقادي صرف , من المسلم لدى الامامية ان الامامة اصل من اصول الدين وان الدين متوقف على الاعتقاد بها بل الانقياد والانصياع الى ذلك المنصب هو امر ضروري الوجود موقوف عليه بحسب ماتقدم من الطائفة الاولى منذ بداية الخليقة, ولمزيد من البيان لهذا المنصب اللهي الاعتقادي وكيف كانت المنظومة الدينة موقوفة عليه نتعرض الى البيان التالي :
قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) المائدة :(67)
اولا : ان الله تعالى يامر نبيه الكريم بالتبليغ وان لم تبلغ لذهبت الرسالة وهو المعبر عنه بالاية (فما بلغت) !
ثانيا : كان القران الكريم ينزل على النبي ص نجوما على مدار 23 سنة ولم يقل له ان لم تبلغ لذهبت الرسالة سدىً الامر الذي يثير السؤال المهم حول هذا الامر الذي يريد ان يبلغه النبي ص .
ثالثا : ان عصمة الله تعالى للنبي ص من الناس(والله يعصمك) يعرب عن خوف النبي ص من عدم انصياع الناس وتقبلهم وصية النبي ص لعي ع فقد وصف الله تعالى ان عدم انقيادهم لاصبحوا من الكافرين (ان الله لايهدي القوم الكافرين) .
رابعا : من الواضح ان كل امر ديني سواء تشريعي ضروري الاعتقاد او امر اعتقادي صرف اذا ابى المكلفون عنه يكون مرقا عن الدين ويستحق كلمة الكفر ,وهو الامر الذي نرمي الى بيانه من خلال هذه الاية حيث وصفت عدم الاعتقاد بها كفرٌ.
خامسا : ان الدين قد كمل بها وتمت نعمة الله تعالى بها (اليوم اكملت لكم دينكم ...) يعرب ان الدين لا يكون بمعزل عن الولاية ,والا كان الدين غير تام في نظر الموالى تبارك وتعالى وهو احكم الحاكمين .
الثاني : واما الامر الثاني فالكلام في مقامين
المقام الاول ماهو المراد من القران الكريم حقيقة: المراد من هذا المقام هو تبيين حقيقة القران وانه ليس هو النقوش واللفاظ المكتوبة او الملفوظة , نقول : ان القران ذو حقيقة تكوينية بمعنى ان القران لا تنحصر درجاته بهذه الالفاظ وهذه العبارات , وان هذا الوجود للقرآن هو المعبر عنه بالكتبي , واما القران حقيقة هو الوجود التكويني ويدل على هذه المرتبة مجموعة من الشواهد :
أ ـ ان نزول القران يعرب عن كونه كان ذو حقيقة مجردة ثم نزل على الخاتم ص بوجود مادي كتبي .
ب ـ بعض الايات التي تندد باثاره العجيبة والخارقة التي لا يمكن حملها على هذا الوجود الاعتباري منها قوله تعالى (وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا)الرعد :31 حيث انه قد ذكر في شأن النزول ان قريش اقترحت على النبي ص ان يباعد جبال مكة , لان مكة كانت ضيقة من حيث المساحة فتتوسع ,وطلبوا منه ان يحيي لهم قصي جده واجدادهم ليكلموهم ,فالله تعالى لو اظهر تلك الاثار بالقران لما امنوا , وهذه الاثار لا تفترض للكتاب الاعتباري .
ج ـ قوله تعالى (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) الحشر : (21) , وواضح ان المقصود في هذه الاية ليس القرطاس والورق الذي كتب عليه القران له هذه الخصوصية , ولم ينزل على صدر النبي ص هذا الكتاب الاعتباري ,بل مانزل عليه هي تلك المعاني الحقيقية التكوينية التي تدل عليها تلك العبارات فكل لفظ يختبىء خلفه معنى حقيقي ملكوتي .
د ـ قوله تعالى (بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ)البروج : (12)و (22) وفيها دلالة واضحة على انه حقيقة مكنونة في لوح محفوظ ,فكل ماجاء من تعابيره الاعتبارية يعرب عن مكنون معنى ملكوتي تكويني عظيم ,ومن هنا يتبين ان النبوة والرسالة والامامة والولاية هي انوار ملكوتية , نعم لكي تتجلى لابد من ظهورها الشخصي في مظهر من مظاهر الجمال والكمال الائق بشأنها فالنبي ص والامام امير المؤمنين ع هو ذلك المصداق الذي يتلبس بذلك المعنى الملكوتي , ومن هنا نعلم وجه اقتران الائمة ع بالقران بحديث الثقلين , وانهم هم القران الناطق , والقران مع علي وعلي مع القران .
المقام الثاني : ورد التعبير عن الولاية والامامة بعدة تعبيرات منها (الامام ,والخليفة ,واولو الامر ,وهكذا) هل المعنى واحد او متعدد وبعبارة واضحة قد يشكل البعض هل هذه التعبيرات تؤدي الى ان هنالك مقامات متعددة غير النبوة والرسالة والامامة ام ماذا؟
في مقام الجواب :نقول نعم هي مختلفة من حيث المعنى واللفظ ,لكن الاية ليست في صدد بيان ان هنالك اشخاص متعددين وان اولو الامر مثل يختلف عن منصب الخليفة او الامام يختلف عن كونه ولي , بل الامر مختلف تماماً ففي كل اية حيثية معينة بحسب سياقها وبيان مفادها فعندما يتكلم عن الاستخلاف من قبل المولى يقول : خليفة ,عندما يذكر من له الشؤون وإدارة الامور يقول :اولو الامر , وعندما يقول :امام يريد المعنى القيادي وانه مقدم عليكم ,وهكذا كل اية بحسب ما ساقته لبيان هذه المعاني
قال الله تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ) الانعام:89 فتدبر .
والحمد لله رب العالمين