سم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين




لو اطلعنا على تاريخ الأمم السالفة، وأمعنّا النظر في الحضارات الغابرة، لوجدنا أن لكل أمة يوما محددا أو أياما معينة يحتفلون ويحتفون بها، ولو دققنا في بعض المجتمعات الحديثة لرأينا أن لكل مجتمع من هذه المجتمعات يوما معينا هو بمثابة يوم فرح وسرور وغبطة. فتجد بعض الدول والمجتمعات تحتفل بالعيد الوطني لبلادها، وأخرى تحتفل بيوم استقلالها عن محتل غاصب سلبها أرضها، بل ونرى بعض المجتمعات تؤبن شهداءها وقتلاها في حروب خاضتها وتخصص لهم يوما معينا. كما أننا نسمع عن عيد الأم، وعيد الشجرة، وعيد المعلم وغيرها من الأعياد والمناسبات لتلكم الدول والمجتمعات، حيث أن هذه الأعياد تُعد بمثابة تراث وثقافة لهذه الأمم ويحفظونها ليحفظوا بذلك تراثهم وثقافتهم.

وليس غريبا أن يحتفل المسلمون ببعض الأيام المشرقة والمنيرة من تاريخهم الإسلامي الزاخر، فنرى احتفالهم بعيدي الفطر والأضحى، ومولد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ومبعثه الشريف أيضا، وقد يحتفل آخرون بانتصار المسلمين في غروة بدر الكبرى، ويقيمون المحاضرات في ذكرى فتح مكة، كما أن يوم الجمعة يُعد عيدا للمسلمين يجتمعون فيه لأداء فريضة فرضها الله سبحانه وتعالى عليهم.

وينفرد المجتمع الشيعي عن غيره من المجتمعات المسلمة، باحتفالهم بعيد يعتبر عيد الله الأكبر كما نصت عليه الروايات الشريفة، هذا العيد هو عيد الغدير أو عيد الولاية، وهو اليوم الذي بايع فيه المسلمون أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام بالخلافة والولاية العظمى بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان ذلك في الـ 18 من ذي الحجة بعد حجة الوداع.

لقد أعتبر أئمة أهل البيت عليهم السلام عيد الغدير بأنه أهم الأعياد على الإطلاق ففي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام حينما سُئِل: هل للمسلمين عيد غير يوم الجمعة والأضحى والفطر؟ قال عليه السلام: “نعم، أعظمها حرمة”. قلت: وأي عيد هو جعلت فداك؟! قال عليه السلام: “اليوم الذي نصب فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمير المؤمنين عليه السلام، وقال: من كُنت مولاه فعلي مولاه”. قلت: وأي يوم هو؟ قال عليه السلام: “وما تصنع باليوم؟ إنّ السنة تدور، ولكنه يوم ثمانية عشر من ذي الحجة”. فقلت: ما ينبغي لنا أن نفعل في ذلك اليوم؟ قال: “تذكرون الله عزّ ذكره فيه بالصيام والعبادة، والذكر لمحمد وآل محمد، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصى أمير المؤمنين عليه السلام أن يَتخذ ذلك اليوم عيداً، وكذلك كانت الأنبياء تفعل، كانوا يوصون أوصياءهم بذلك فيتخذونه عيداً”. [الكافي: ج4 ص149 باب صيام الترغيب ح3.]

من خلال ما سبق، يتضح لنا أن لهذا اليوم أهمية كبرى وفضيلة خاصة، حتى عدها الإمام الصادق عليه السلام أفضل عيد على الإطلاق وأعظمها حرمة أيضا، ولأجل هذه العظمة كانت الأنبياء عليهم السلام تتخذ هذا اليوم عيدا لهم وكذلك كان يفعل أوصياؤهم. إن يوم الغدير ليس يوما عاديا، وليس عيدا كبقية الأعياد، بل هو عيد استثنائي، هو محطة كبيرة في اللقاء والمواجهة بين الحق والباطل، ونقطة هامة في الحرب بين جنود الله عز وجل وبين إبليس وجنوده عليهم اللعنة.

في يوم الغدير بعد حجة الوداع، حينما بايع المسلمون أمير المؤمنين عليه السلام خليفة وقائدا لهم بعد النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، نزلت عدة أيات بينات أكدت على أن مسار المواجهة بين الحق والباطل قد تغير بعد هذه البيعة، أكدت تلكم الأيات على أن الحق غالب على الباطل مهما حصل، وأن هذه البيعة وهذا العيد هو من أجل تأكيد علو الحق على الباطل مهما كان. لقد نزلت أية “الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا” [سورة المائدة. الآية 3] مباشرة بعد إتمام عملية البيعة العامة لأمير المؤمنين عليه السلام.

إن البحث في هذه الأية المباركة يجعلنا نلاحظ شيئين مهمين، الملاحظة الأولى وهي في صدر هذه الآية المباركة، حينما يقول الله سبحانه وتعالى: “اليوم يئس الذين كفروا من دينكم”، نلاحظ أن صيغة الخطاب القرآني في هذا النص القرآني الشريف تغيرت عن النصوص الواردة في نصوص آخرى سبقت هذا النص، ومنها ما قاله الله سبحانه وتعالى: “يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ” [سورة الصف. الآية 8]. الخطاب القرآني سابقا كان يؤكد على ضرورة أخذ الحيطة والحذر من المشركين والكافرين لأنهم يريدون إنهاء هذ الدين الجديد، وكان وعد الله سبحانه وتعالى برد كيد الكائدين ومكر الماكرين.

أما بعد حادثة الغدير والبيعة العامة الشاملة لأمير المؤمنين عليه السلام، نلاحظ أن الخطاب القرآني قد تبدل إلى خطاب قوي وهو أن المكر اليهودي والخديعة القرشية لإنهاء هذا الدين الجديد وتدمير قوته وبنيته التحتية قد فشل ولا مجال لعودته. إذاً فبيعة الغدير غيرت مسار المواجهة بين الحق والباطل، هذه البيعة أحبطت المؤامرات اليهودية والقرشية لإنهاء الدين الإسلامي، هذه البيعة رجحت كفة ميزان الحق على ميزان الباطل.

أما الملاحظة الثانية فإن إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الله سبحانه وتعالى بالدين الإسلامي لم يكن ليتم إلا بالبيعة لأمير المؤمنين عليه السلام، حتى أن الله سبحانه وتعالى خاطب نبيه الكريم صلى الله عليه واله وسلم بخطاب شديد اللهجة قبل بداية مراسيم البيعة فقال عز وجل: “يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ” [سورة المائدة. الآية 67].

لقد اعتاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تكون الخطابات الموجهة له من الله سبحانه وتعالى خطابات مليئة بالرحمة، ولكن لأول مرة منذ نزول الوحي يكون الخطاب الموجه له صلى الله عليه وآله وسلم خطابا غليظا، أنك يا رسول الله لو لم تأمر الناس بمبايعة ابن عمك ليكون قائدا لهم وخليفة لك من بعدك، كأنك قد أضعت كل جهودك في سبيل الدعوة. نعم، لقد عادلت بيعة أمير المؤمنين عليه السلام بالخلافة من بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم جميع جهوده صلى الله عليه وآله وسلم، لقد كانت هذه البيعة أمرا أراده الله سبحانه وتعالى ونقطة مشرقة في التاريخ أرادها الله سبحانه وتعالى لهداية البشرية وتثبيت دعائم وأركان الدين الإسلامي الناشئ.

إذاً فقضية الغدير قضية إنسانية عامة، قضية صراع مستمر بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، وبين الإسلام والكفر، هي قضية أزلية مذ هبط آدم إلى الأرض وأ ُخرج إبليس من الجنة. هي ليست مجرد طقوس دينية واحتفالات يمارسها مجموعة من البشر ينتمون إلى التشيع. هي قضية أعم وأشمل من أن تنتمي لطائفة أو مذهب معين، ولكن من أهتم بها وجعلها محورا أساسيا في حياتهم هم الشيعة الإمامية الإثناعشرية، فحق لهم الفخر بأنهم أتباع هذه المدرسة وأتباع هؤلاء الصفوة من الخلق محمد وآل محمد عليهم الصلاة والسلام