هدم المشاهد المقدسة
...................
يرى السلفية ان يجب هدم المشاهد المشرفة لكونها اماكن يعبد فيها غير الله !
ومن ادلتهم في هذا الموضوع :
1ـ قال ابن القيم تلميذ ابن تيميه: يجب هدم المشاهد التي بُنيت على القبور التي اتخذت
أوثاناً و طواغيت تعبد من دون الله ولا يجوز إبقاؤها بعد القدرة على هدمها يوما واحدا
فإنها بمنزلة اللات و العزى أو أعظم شركاً عندها، و بها . 1
2ـ قال الصنعانّي: إن القبر أو المشهد بمنزلة الوثن والصنم. 2
3ـ وصرح الوهابيون: إن ما حدث من تعظيم قبور الأنبياء وغيرهم ببناء القباب عليها هو
ممنوع و لهذا أفتى كثير من علمائهم بهدم القبور فمنهم قاضي قضاهم عبد الله بن سليمان و
علماء المدينة إجماعاً ولهذا أفتى كثير من علمائهم بوجوب هدم القبور مستندين إلى حديث
عن علي بن أبي طالب (عليه السلام)
عن وكيع وعن سفيان وعن أبي وائل و عن أبي الهيّاج أنه قال علي (عليه السلام) ألا
أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله (ص) (أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته و لا قبراً مشرفاً
إلا سويته) 3
و عن النبي بقوله: ( لا تقوم الساعة حتّى يلحق ح ّ ي من أمتي بالمشركين و حتى يعبد فئام
من أمتي الأوثان. 4
*مناقشة الفكرة :
والجواب:
أولا: سند الحديث ضعيف لآن فيه وكيع الكذاب وهو ابن الجراح الرواسي (انظر ميزان
الاعتدال ج ـ 4ـ ص ـ 336ـ و تهذيب الكمال –ج ـ 30ـ ص ـ 471ـ)
وعن الذهبي قال كان سفيان يقول عنه صاحبه كذاب يدلس عن الضعفاء (ميزان الاعتدال،
ج: ،2ص: )169وأما أبو وائل وهو أحد رجال الحديث المذكور أعلاه كان مبغضا لعلي
................................
1زاد المعاد ص.661
2كشف الارتياب 286عن تطهير الاعتقاد.
3كشف الارتياب ص ،287صحيح مسلم ،61/3صحيح الترمذي .256/2
4نفس المصدر السابق.


بن أبي طالب (عليه السلام) فكيف يعتمد عليه (هذا ما قاله ابن خز يمه في (تهذيب
التهذيب، ج: ،2ص: )179وقد قال رسول الله (ص يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا
يبغضك إلا منافق. (مجمع الزوائد ـ ج ـ 9ـ ص ـ )133
ثانيا: المناقشة في المتن والدلالة من وجوه
الوجه الأول: أنه شاذ انفرد به أبو الهيّاج، وقال السيوطي في شرح النسائي ليس لأبي
الهيّاج في الكتب إلا هذا الحديث الواحد
الوجه الثاني: لا دلالة على المدعى بل هو وارد في الأمر بالتسطيح والنهي عن التسنيم
والشرف يعني 5العلو ولكن قوله إلا سويته قرينة على إرادة التسنيم من الشرف والتسطيح
من التسوية وبعبارة أخرى في الرواية احتمالات ثلاثة:
1ـ أن يكون المراد هدم البناء المشيد على القبر فيكون معنى الحديث إلا هدمته.
2ـ أن يكون المراد تسوية القبر مع الأرض فيكون معنى الحديث إلا جعلته مساوياً مع
الأرض.
3ـ أن يكون المراد تسطيح القبر وتعديل ما فيه من اعوجاج والحيلولة دون تسنيمه كسنام
البعير و ظهر السمك.
أما الاحتمال الأول فمردود لوجود السيرة وعمل الأصحاب والمسلمين على خلافه.
وأما الاحتمال الثاني: فمردود أيضا وذلك لقيام ال ّ سنة القطعية على ارتفاع القبر عن الأرض
شبراً واحدا. 6
فيبقى الاحتمال الثالث وهو تسطيح القبر وتعديل ما فيه من اعوجاج والحيلولة دون تسنيمه
وهذا ما يراه جمع من علماء السنة كالنووي و القسطلاني وإليك أقوالهم.
1ـ قال النووي: إ ّ ن من ال ُ سنّة أن القبر لا يرفع عن الأرض رفعا كثيرا ولا يُسنّم بل يرفع
نحو شبر و يُس ّ طح (المجموع ـ ج ـ 4ـ ص ـ .)312
2ـ وقال القسطلاني: بعد أن قال: ال ُ سنّة في القبر تسطيحه وإنه لا يجوز ترك هذه ال ُ سنّة ثم
قال وحديث أبي هيّاج يقول لأنه لم يُ ِ رد النبي (ص) تسويته بالأرض وإنما أراد تسطيحه
جمعاً بين الأخبار (إرشاد الساري ـ ج ـ 2ـ ص ـ .)468
.............................
5القاموس .162/3
6صحيح مسلم ،60/ 3المجموع للنووي .312/4



ثالثاً: سيرة الصحابة وعموم المسلمين
إن السيرة تمنع هدم القبور والقباب فقد أهتم الصحابة وعموم المسلمين ببناء قبور الأنبياء
والأولياء كما أجمع الناس جيلا بعد جيل على بناء قبور الأنبياء والصالحين وإليك أمثلة
على ذلك:
1ـ إن قبور الأنبياء التي حول بيت المقدس كقبر داود (عليه السلام) في القدس وقبور
إبراهيم وبنيه: إسحاق ويعقوب ويوسف الذي نقله موسى من مصر إلى بيت القدس في بلد
الخليل كلها مبنية ومشيدة قد بني عليها بالحجارة العادية العظيمة قبل الإسلام وبقيت بعد
فتح الإسلام فلو كان البناء عليها حراما لأمر عمر بهدمها وطمسها حينما رأى ذلك البناء
عند فتح بيت المقدس .7و قد صرح بذلك ابن تيمية، فقال: إ ّ ن البناء الذي على قبر إبراهيم
الخليل (عليه السلام) كان موجوداً في زمن الفتوح و زمن الصحابة. 8
2ـ بناء المسجد على قبر حمزة (سيرة أعلام النبلاء ).187/12
3ـ بناء قبر إبراهيم بن رسول الله صلى عليه وآله في دار محمد بن زيد بن علي السجاد بن
الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام. 9
4ـ بناء قبة على قبر الذهبي في البصرة (سيره أعلا م النبلاء ـ ج ـ 13ـ ص ـ 2ذ)
5ـ بناء قبة على قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) من قبل الإمام
الصادق (عليه السلام) ثم أعاد تجديدها هارون العباسي في القرن الثاني الهجري (راجع
سيرة أعلام النبلاء ).251/16
6ـ بناء قبر النبي (ص) فإنه دفن في حجرة مبنية ولو كان البناء على القبور محرمة لهدمها
الصحابة قبل دفنه والبناء والقبة على القبر الشريف لازال موجودا إلى يومنا هذا .57
7ـ بناء قبر الإمام موسى ابن جعفر (عليه السلام) قال الذهبي: له مشهد عظيم مشهور
ببغداد ولولده علي ابن موسى مشهد عظيم بطوس (سيرة أعلام النبلاء ـ ج ـ 6ـ ص ـ
.)274
8ـ بناء قبة على قبر أبي حنيفة (المنتظم لابن الجوزي ـ ج ـ 16ـ ص ـ .)10
9ـ بناء قبة على قبر محمد بن إدريس الشافعي (دول الإسلام 344للذهبي.)
...........................
7درر الأخبار ،185/2مسند أحمد، .8/4
8هذا ما أشار إليه السيد الأمين في كشف الارتياب، ص: .484
9سيرة أعلام النبلاء .186/12


10ـ بناء قبة بيضاء بالجص والآجر على قبر معروف الكرخي ببغداد (المنتظم لابن
الجوزي ـ ج ـ 16ـ ص ـ ،)105و هناك شواهد أخرى كثيرة ( راجع سيرة أعلام النبلاء
.287 -284/13
رابعاً: الإجماع: أجمع العلماء من جميع المذاهب الإسلامية في كل العصور و زمان على
جواز بناء القبور و هذا الإجماع المحصل كاشف قطعي أنّه مأخوذ من صاحب الشرع.
خامساً: من القرآن الكريم بقوله تعالى في أصحاب الكهف: ( فَقالُوا ا ْبنُوا َ علَ ْي ِ ه ْم بُ ْنياناً).
*الشواهد على تعليم القبور
1ـ ذكر ابن ماجة في سننه ـ ج ـ 1ـ ص ـ 498ـ أن رسول الله (ص) قد علّم قبر عثمان
بن مظعون بصخرة وضعها عليه.
2ـ روى الأصبغ ابن نباته صاحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: إن فاطمة بنت
رسول الله (ص) كانت تأتي قبر حمزة و قد وضعت عليه علما تعرفه به وذكر أن قبر
النبي وأبي بكر وعمر كان عليه الثقل يعني حجارا صغيرة (مصنّف عبد الرزاق ـ ج ـ 3ـ
ص ـ 574ـ) وخلاصة الكلام إن أدلة بناء القبور والقباب
هي ما يلي:
1ـ من القرآن الكريم (بناء قبور أصحاب الكهف فقال تعالى (ابنوا عليهم بنيانا)،
(سورة الكهف،الآية:.)2
2ـ قبور الأنبياء حول بيت المقدس كقبر داود وإبراهيم وإسحاق ويوسف عليهم السلام.
3ـ من السيرة النبوية الشريفة حيث أمر بتعليم قبر عثمان بن مظعون.10
4ـ من سيره فاطمة الزهراء عليها السلام بتعليم قبر حمزة. 11
5ـ من السيرة والشواهد كبناء قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) بالنجف وقبر سلمان
الفارسي ببغداد وقبر أبي أيوب الأنصاري بالروم وغيرها. 12
6ـ من فتاوى علماء المسلمين: منها فتوى الذهبي عندما ُ سئل عن بناء ضريح الشافعي،
قال: لا بأس. 13
...................................
10 وفاء الوفاء 541/2
11 تاريخ بغداد .160/1
12 . تاريخ بغداد .163/1
13 دول الإسلام ص 344.


7ـ من إجماع العلماء من جميع المذاهب.
*الفوائد المترتبة على بناء القبور ما يلي :
1ـ تعظيم الشعائر وإرغام الأعداء والمنكرين فالمولى أمر بتعظيم مقام إبراهيم بجعله
مصلى لتلك الآيات البيّنات فيه ومنها ملامسة رجل إبراهيم للحجر فكيف سيد الكائنات
وخاتم المرسلين، ألا يحق لنا تعظيمه لإرغام الأعداء.
2ـ استظلال الزائرين بها من الحر والبرد عند الزيارة والصلاة بجانبها التي تثبت رجحانها
بشرف المكان والدعاء عندها.
3ـ قراءة القرآن والدعاء، و إقامة الصلاة.
4ـ التدريس، و البحث و المناقشة.
5ـ إلقاء المواعظ والنصائح وغير ذلك.
6ـ إقامة الندوات الشعرية وغيرها.
7ـ التذكير بالموت و أخذ المواعظ.
8ـ احترام الناس أحيا ً ء و أمواتاً (لقوله (ص): حرمة المؤمن ميتاً كحرمته حياً)
والحمد لله رب العالمين