بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي تجلى للقلوب بالعظمة ، واحتجب عن الابصار بالعزة ، واقتدر على الاشياء بالقدرة ، فلا الابصار تثبت لرؤيته ، ولا الاوهام تبلغ كنه عظمته ، تجبر بالعظمة والكبرياء ، وتعطف بالعز والبر والجلال ، وتقدس بالحسن والجمال ، وتمجد بالفخر والبهاء ، وتهلل بالمجد والآلاء ، واستخلص بالنور والضياء . خالق لا نظير له ، وواحد لاند له ، وماجد لا ضد له ، وصمد لا كفو له ، وإله لاثاني معه ، وفاطر لا شريك له ، ورازق لا معين له ، الاول بلا زوال والدائم بلا فناء ، والقائم بلاعناء ، والباقي بلا نهاية ، والمبدئ بلا أمد ، والصانع بلا ظهير، والرب بلا شريك ، والفاطر بلا كلفة والفاعل بلا عجز . ليس له حد في مكان ولا غاية في زمان ، لم يزل ولا يزول ولن يزال ، كذلك أبدا هو الاله الحي القيوم ، الدائم القديم القادر .
والصلاة على أشرف أهل الاصطفاء محمد بن عبدالله سيد الانبياء ، وعلى آله الحافظين لما نقل عن رب السموات والأرضين , واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين .
أشار القرآن إلى يونس (عليه السلام ) وفي إحدى آيات القرآن الكريم التي تذكر سيرة هذا النبي العظيمً ، حيث تبيّن أنّه اعترف أمام اللَّه تعالى بالظلم ثمّ طلب العفو والمغفرة وأنّ اللَّه استجاب دعاءه وغفر له بعد اختبار طويل ، يقول تعالى : {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 87، 88].
وهنا يثار هذا الأشكال وهو : كيف يتناسب وضع يونس في صفوف الظلمة مع منزلة عصمته، ولمن ظلم ؟ وما هو نوع الظلم ؟ ثمّ أنّ يونس ( عليه السلام ) على من غضب ؟ ولماذا ظنّ أنّ اللَّه لن يقدر عليه ؟ ألا يمكن لهذه الجهات الثلاث مجتمعة أن تكون بمثابة علامة استفهام على مسألة عصمته ؟
ورد نفس هذا المعنى بشكل غامض في القرآن الكريم : {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ* لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ* فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} (القلم/ 48- 50).
كما يستفاد من هذا التعبير أيضاً أنّه كان قد تسرّع في أمره وأشرف على الهلاك لولا أن أسعفه لطفه تعالى.
ونفس هذا المعنى تكرّر أيضاً في سورة الصافات، وذلك بعد الإشارة إلى‏ قصّة هربه من قومه وركوبه في السفينة ، وإلقاء القرعة ثمّ إلقائه في فم حوت عظيم ، يقول تعالى : {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ* لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (الصافات/ 143- 144).
ما هو الذنب الذي اقترفه ليسجن في بطن الحوت، ويلبث فيه مدّة مديدة لولا تسبيحه للَّه تعالى؟، خلاصة القول : إنّ قصّة يونس عليه السلام التي جاءت في ثلاث سور من القرآن الكريم (الأنبياء، القلم ، الصافات) وبعبارات مختلفة تثير أكثر من استفهام حول مقام عصمة هذا النبي العظيم وتستدعي جواباً منطقيّاً.
الجواب :
صحيح أنّ التعابير المختلفة للآيات المذكورة تبيّن أنّ ذنباً ما قد صدر من يونس عليه السلام ، فالتعبير ب « الظالم » و « المليم » (يأتي أحياناً بمعنى ملامة النفس، أو القيام بعمل يستوجب ملامة الآخرين لفاعله ، لأنّ لفظة « المليم » قد فسّرت بكلا المعنيين) .
لكن القرائن تشير إلى‏ أنّ هذا العمل المخالف لم يكن سوى ترك الأولى ، لأنّ اللَّه تعالى وفي نفس هذه الآيات قد تحدّث عن يونس كنبي مرسل في موضع العناية الإلهيّة الخاصّة ، وفي سورة (الأنعام/ 86) يعتبره اللَّه تعالى من الأنبياء العظام الذين فضّلهم على العالمين ، كما يعتبره في عداد الأنبياء عظيمي الشأن كإبراهيم ونوح وإسماعيل وعيسى عليهم السلام ، وذلك في سورة (النساء/ 163) .
أما ما هو ترك الأولى هذا ؟ فهناك آراء متنوّعة ، يمكن لكلّ واحد منها منفرداً فضلًا عن مجموعها ، أن يكون دليلًا على ترك الأولى فقط ، من جملتها : أنّه تسرّع في ترك قومه إذ كان الأجدر به أن يصبر أكثر، أو أنّه تعجّل بالدعاء عليهم ، أو أنّه كان ينبغي عليه انتظار الأمر الإلهي حين خروجه من بين قومه حتى‏ ولو كان قد يئس من هدايتهم على ما يبدو.
ولا يخفى أنّ أيّاً من هذه الأمور لا يعدّ ذنباً، لكنّها لو لم تكن لكان أفضل ، وبناءً على هذا فقد استحقّ العتاب والملامة ، والتعبير ب « الظلم » أو « الابتلاء بالعقاب الإلهي » إنّما هو من باب‏ « حَسَناتُ الأبرار سَيِئاتُ الْمُقَرَّبينَ » , كما يحتمل أيضاً تصوّره بأنّ اللَّه تعالى لن يضيق عليه‏ « فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ »، أنّ تصوّره هذا كان بمثابة ترك الأولى ، وذلك لأنّ تمتّع الأنبياء عليهم السلام بمستوى عالٍ من الإيمان يفرض عليهم العيش دائماً بين الخوف والرجاء لا اعتبار أنفسهم في أمان من العقاب الإلهي ، أو القنوط من رحمته .
أمّا التعبير ب « مغاضباً » فواضح أنّه يعني الغضب على أعمال قومه المذنبين ، لا الغضب على اللَّه تعالى ! كما ذهب إليه بعض المخطئة ، لأنّ هذا ليس فقط متنافياً مع مقام الأنبياء ، بل لا يتناسب وأدنى حدّ من الإيمان أيضاً لأنّ ما يقابل الغضب على اللَّه هو الكفر باللَّه .
وعبارة « مغاضباً لربّه » الواردة في الروايات أو كلمات بعض أقطاب أهل التفسير إنّما تعني‏ « مُغَاضِباً لأجل رَبِّهِ » أي أنّه غضب لأجل اللَّه تعالى نتيجة أعمال قومه .
ومن هنا يتّضح سبب مكوثه في سجن مظلم تتوالى ظلماته الواحدة بعد الأخرى (ظلمة بطن الحوت، ظلمة البحر، وظلمة الليالي) ؟ وسبب عزمه على التضرّع و الاستغفار وطلب العفو، بتلك العبارات الموزونة المتينة : {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}.
الملفت للنظر هو ما جاء في البعض من الروايات ، أنّ الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام قال : « حينما كان يونس في خلوته في بطن الحوت متوجّهاً بكلّ وجوده إلى‏ العبادة مستجيراً باللَّه تعالى وحده ، اعتبر نفسه من الظالمين لأنّه لم يأت بعبادة خالصة كهذه من قبل، فقال أن‏ لا إله إلّا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، بتركي مثل هذه العبادة التي فرغْتَني لها في بطن الحوت ، فقبل اللَّه تعالى منه ذلك ، وقال عزّ وجلّ : « فلولا أنّه كان من المسبّحين للبث في بطنه إلى‏ يوم يبعثون » (1) .
أما فيما يتعلّق بتفسير الآيات المتعلّقة ب « يونس» عليه السلام وما هو ذلك الحوت الذي تمكّن من الاحتفاظ به في بطنه ؟ وكيف يمكن للإنسان البقاء حيّاً مدّة طويلة بلا ماء أو طعام أو هواء ؟ وكيف يمكن لذلك الإنسان ألّا يذوب ويهضم في المعدة الواسعة للحيوان ؟ وأسئلة أُخرى‏ من هذا القبيل ، فيمكن الرجوع إلى‏ « تفسير الأمثل»، الأجزاء 13 و 19 و 24 في تفسير الآيات التي تتحدّث عن يونس عليه السلام.

________________________
(1) تفسير نور الثقلين، ج 3، ص 450، ح 137.