بسم الله الرحمن الرحيم

(السَّلامُ عَلَى الدُّعَاةِ الى اللهِ)

فانّ الأئمّة الهدى عليهم‌السلام هم الدّعاة للناس الى معرفة الله وعبادته وطاعته ، لأنّ كل إمام منهم عليهم‌السلام لم يتوان لحظة واحدة في قيامه بهذه المهمّة الصعبة في دعوة الخلائق الى المعرفة ، والى آخر لحظة من عمره الشريف ، فقد قام بعضهم عليهم‌السلام بها بالجهاد في سبيل الله ، وقُتِلَ في سبيل الله. وقام الآخر ببيان مقامات توحيد الله عزّ وجلّ واسماء وصفاته ، وتبليغ الاحكام ، وتوسل البعض الآخر بالأدعية والمناجاة ، وغيّب بعضهم بالسّجون والمطامير المظلمة ، وبعضهم جعل إستتاره شعاراً لدعوة النّاس الى الله عزّ وجلّ ورسوله ودينه الخالد ، بل سعى كُلّهم عليهم‌السلام احياء هذا الامر بالاستقامة والصمود (1).
والى جانب الآخر. استعمل حكام الجور اعداء الله تعالى ودينه معهم أبشع الاساليب غير الانسانية ، فمضى منهم من مضى مقتولاً أو مسموماً قد تجرع كأس الشهادة لله تعالى ، إلّا صاحب الامر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) الذي غائب عن عيون حكام الجور ، وسيخرج يوماً ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً بعد جهاد مرير ينتقم من أعداء الله عزّ وجلّ وأعداء البشرية.
ورد في تفسير الآية الشريفة : (قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّـهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (2).
قال الإمام الباقر عليه‌السلام : «ذاك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأمير المؤمنين عليه‌السلام والاوصياء ، من بعده عليهم‌السلام» (3).
وورد عن الإمام علي الرّضا عليه‌السلام في ضمن حديث يصف الإمام قائلاً : «الامام أمين الله في أرضه. حجّته على عباده وخليفته في بلاده الدّاعي الى الله والذاب عن حرم الله ... الحديث» (4).
(وَالأدِلاءِ عَلَى مَرْضَاتِ اللهِ)
الحركات والسّكنات التي كانت تتجسد في أقوال وأفعال الائمّة عليهم‌السلام كلّها تدل أنها لاجل طلب مرضات الله عزّ وجلّ ، لانهم عليهم‌السلام يدلّون الناس الى المعارف الالهية والاحكام الشرعية والطاعات والاعمال الصالحة التي فيها ، وتكن مرضاة الله عزّ وجلّ بلا شك ورد في حديث عن النّبي موسى عليه‌السلام قال : يا ربّ أخبرني عن آية رضاك عن عبدك.
فأوحى الله تعالى إليه : إذا رأيتني اُهيىءُ عبدي لعبادتي وأصرفه عن معصيتي ، فذلك آية رضاي (5).
وفي حديث عن الإمام الرضا عليه‌السلام في وصف الإمام قال : «الإمام الماء العذب على الظماء ، والدال على الهدى ، والمنجي من الرّدى» (6).
(وَالمُسْتَقِرِّينَ فِي أمْرِ اللهِ)
المراد من هذه الفقرة الشريفة ، إمّا كمال الاستقامة والثبات في اجراء أمر الله عزّ وجلّ والعمل به ، وهي من أصعب الاُمور ، وذلك لان أمتثال أي أمر مرّة واحدة أو مرّتين يسهل على الإنسان ولكن الاستمرار والاستقامة والثّبات عليه دائماً وأبداً ممّا يعسر على الإنسان ويجلب له تعباً كبيراً. ولذا جاءت الآية الشريفة في مدحهم والتجليل من شأنهم :
(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّـهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (7).
وورد عن ابن عباس أنه ما نزلت على النّبي الاكرم آية كانت أشدّ من هذه الآية : (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) (8).
ولذلك قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لاصحابه حين قالوا له : أسرع إليك الشّيب يا رسول الله : «شيبتْني هود والواقعة» (9).
وأو يكون المراد استقرارهم عليهم‌السلام في امر الخلافة ، لان الخلافة فوّض إليهم عليهم‌السلام من قبل الله تعالى بعد رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأثبتهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في مقام الخلافة ، فاذاً فالأئمّة عليهم‌السلام هم الذين استقروا في مقام الخلافة من جانب الله سبحانه ورسوله الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل أن محلهم عليهم‌السلام من الخلافة محل القطب من الحى ، فيجب على جميع النّاس ان يبذلوا لهم السمع والطاعة ، فهم أعلى مرتبة ومقام وشأن من الآخرين ، بل إن سيل العلوم والاوامر تنحدر من مقامهم الشامخ الى سائر النّاس ولا يستطيع أحد من الناس أن يرقى الى مقامهم السّامي.
كما اشار سيّد الاوصياء أمير المؤمنين عليه‌السلام في خطبته الشّريفة الخطبة الشقيشقية الى هذا المقام وقال :
«لقد تقمّصها فلان وهو يعلم أن محلّي منها محلّ القطب من الرّحى ينحدر عن السيل ولا يرقى إليّ الطّير ... الخ» (10).
يعني بدون وجوده المقدس لا تكون الخلافة صالحة لأحدٍ من النّاس لأن الرحى لا تعمل بدون القطب ، فكذلك العلوم تسيل من صدري الشامخ الذي هو صندوق أسرار العلوم الالهية ، فلا تستطيع حتى النسور التي تحلق في آفاق السَّماء أن تصل الى ما وصلت إليه.
ووردت في بعض النسخ كلمة «المستوفرين» بدلاً عن «المستقرين» فان كلمة المستوفرين مشتقة من الوفور بمعنى الكثرة والزيادة وعلى هذا ، يكون المعنى أن الأئمّة عليهم‌السلام بأمر من الله سبحانه يعلمون أكثر من سائر النّاس وذلك في كثرة عباداتهم وزهدهم وتهجدهم وسخائهم واحسانهم وحسناتهم ، وهذا ما لا طاقة لغيرهم من نيله والوصول إليه.
(وَالتّامِّينَ فِي مَحَبَّةِ اللهِ)
نال الأئمّة الاطهار عليهم‌السلام أعلى مراتب الكمال واسماه في محبة الله سبحانه يقول المرحوم العلّامة السّيد شبر رحمه الله : وهذه الفقرة صريحة في الرّد على قوم من البهايم أنكروا محبّة الله ، بل أحالوها وقالوا لا معنى لها إلّا المواظبة على الطاعة لله عزّ وجلّ ، وأمّا حقيقة المحبّة فمحال إلّا مع الجنس والمثل ، والله تعالى منزّه عن التجانس وليس له شبيه وليس كمثله شيء ويلزم من هذا الانكار انكار الأنس والشوق ولذّة والمناجاة وسائر لوازم الحب وتوابعه!!.
والتّحقيق : أنّ الحبّ عبارة عن الميل الى الشيء المستلذ وإنما يحصل بعد المعرفة بذلك الشيء وادراكه إمّا بالحواس «مثل ادراك العين للصّور المليحة ، والاذن للاصوات الجميلة ، والانف للرّوائح الطّيبة» أو بالقلب «كلذّة العلم والمناجاة الحقّة التي تعتبر غذاء الرّوح» ، وكلما كانت المعرفة به أقوى واللذة أشد وأكثر كانت المحبّة أشد والبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر إذ القلب أشد ادراكاً من العين ، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة ، فتكون لا محالة لذة القلوب بما تدركه الامور الشريفة الالهية التي تجمل أن تدركها الحواس أتم وأبلغ فيكون ميل الطبع السليم والعقل الصحيح اليه أقوى ، فلا ينكر إذاً حبّ الله تعالى إلّا من قعد به القصور في درجة البهائم فلم يجاوز ادراكه الحواس ، وكما أن الانسان يحب نفسه وبقاء نفسه ، فكذلك قد يحبّ غيره لذاته لحظٍّ يناله منه وراء ذاته ، بل تكون ذاته عين حظه وهذا الحبّ الحقيقي البالغ الذي يوثق به ، فهذا مع ان الكتاب والسنة قد نصت على حقيقة المحبّة قال الله تعالى : (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) (11) وقال الله تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّـهِ) (12) وقال الله تعالى : (إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ) الى قوله : (أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ) (13).
وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحبّ اليه ممّا سواهم».
وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله في دعائه : «اللّهُمّ اُرزقني حُبّك وحُبّ من يحبّك وحبّ ما يقربني الى حبّك واجعل حبّك أحبّ اليّ من الماء البارد» (14).
وفي الحديث القدسي : يا ابن عمران كذب من زعم أنّه يحبّني فاذا جنّه الليل نام عنّي أليس كلّ محبّ يحبّ خلوة حبيبه ها أنا ذا يا ابن عمران مطلع على أحبائي إذا جنّهم الليل حولت أبصارهم اليّ من قلوبهم وتمثلت عقوبتي بين أعينهم يخاطبوني عن المشاهدة ويكلّموني عن المشاهدة ويكلّموني عن الحضور» (15).
وروى الشّيخ الصدوق رحمه الله في علل الشرايع عن النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ شعيباً بكى من حبّ الله عزّ وجلّ حتى عمي فرد الله عليه بصره ثمّ بكى حتى عمي فرد الله بصره ، فلمّا كانت الرابعة أوحى الله إليه : «يا شعيب الى متى يكون هذا منك إن يكن هذا خوفاً من النار فقد أجرتك وإن يكن شوقاً الى الجنّة فقد أجبتك».
فقال شعيب عليه‌السلام : «الهي وسيّدي وأنت تعلم أنّي ما بكيت خوفاً من نارك ولا شوقاً الى جنّتك ، ولكن عقد حبّك على قلبي فلست أصبر أو أراك ، فاوحي الله إليه : أمّا إذا كان هكذا فمن أجل هذا سأخدمك كليمي موسى بن عمران» (16).
والاخبار والاثار في ذلك أكثر من أن تحصى.
انتهى كلام العلّامة شبر رحمه الله. ويكفي في مقام شرح هذه الفقرة بهذا التفصيل المذكور الذي نقل عنه.
نفهم ممّا سلف أنّ الأئمّة الأطهار عليهم‌السلام تامّون في محبّة الله تعالى أي لا يعملون إلّا بمحبّة الله تعالى وفي محبّة الله تعالى وأقوالهم وأفعالهم وما أضمروا وما أظهروا أو أوامرهم ونواهيهم ودعائهم في محبّة الله تعالى والاخلاص في العبودية.

__________________

(1) كما ثبت سيّد الاوصياء عليه‌السلام في مواطن حساسة كان الامر يدور بين بقاء الاسلام أو غلبة الشّرك ، وكما ثبت عليه‌السلام وحده في بدر ، واُحد ، ويوم أحزاب ، ويوم حنين وقد فرّ الآخرين ، ويشهد بذلك التاريخ ، وكما قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن ودٍ أفصل من عمل اُمّتي إلى يوم القيامة» رواه الواقدي ، والخطيب ، والخوارزمي.

(2) يوسف : 108.

(3) تفسير نور الثلين : للحويزي رحمه الله ، ج 2 ، ص 476.

(4) بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 25 ، ص 124، تحف العقول : ص 326 ، الاحتجاج ، ج2 ، ص 228.

(5) بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 70، ص 26، ح 29.

(6) بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 25 ، ص 123 ، تحف العقول : لابن شعبة رحمه الله ، 320 ، الاحتجاج : للعلّامة

الطّبرسي رحمه الله ، ج 2 ، ص 227.

(7) الاحقاف : 13.

(8) هود : 111.

(9) تفسير مجمع البيان : للعلّامة الطّبرسي رحمه الله ، ج 3 ، ص 199 ، تفسير الصّافي : للشّيخ الفيض الكاشاني رحمه الله ، ج 2 ، ص 547.
(10) نهج البلاغة : الخطبة ،3.

(11) المائدة : 54.

(12) البقرة : 165.

(13) التوبة : 24.

(14) بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 86 ، ص 182 ، عن مصباح المتهجد : للشّيخ الطوسي رحمه الله ، ص 162 ـ 166.

(15) بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 13 ، ص 219 ، ج 17 ، ص 14 ، ج 87 ، ص 172.

(16) علل الشرايع : للشّيخ الصّدوق رحمه الله ، ج 1 ، ص 57 ، باب 51.