بسم الله الرحمن الرحيم

آداب قراءة القرآن

وتشتمل على شرائط كثيرة :

أوّلاً : الترتيل ، كما قال تعالى : ( وَرَتِّلِ القُرآنَ تَرتِيلاً ) (1) ومن الترتيل ما هو واجب ومنه ما هو مستحب ، فالواجب منه على المشهور أداء الحروف من المخارج ، وحفظ أحكامه والوقف والوصل ، كما في كلمتين متلاحقتين فلا ينبغي الفصل بينهما بسكوت طويل أو قطع النفس ... بل لابدّ أن يلحق آخر الكلمة ألاولى بأول الكلمة اللاحقة ، وان اراد الرقف فلايقف على الحركة كما سئل أمير المؤمنين عليه‌السلام عن معنى الترتيل فأجاب عليه‌السلام بأنّه حفظ الوقف وأداء الحروف عن المخارج (2).

والترتيل المستحب قراءته بألتأني بحيث لا تدخل الحروف في الأُخرى وتسبب عدم التمييز بينها ، ولا يقرأ بالتأني الكثير فتتناثر الحروف وينفصل الكلام.

وقال علي عليه‌السلام أيضاً وقد سئل عن الترتيل : بيّنة تبياناً ، ولا تهذّه هذّ الشعر ، ولا تنثره نثر الرمل ، ولكن افزعوا قلوبكم القاسية ، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة (3).

ثانياً : القراءة بالتدبر والتفكر والتوجه إلى المعاني والخشوع ، والتدبر بمواعظ القرآن ، والعبرة بأحوال الماضين ، وأن يطلب الرحمة إذا وصل إلى آية فيها رحمة ، وأن يستعيذ إذا وصل إلى آية فيها عذاب ، كما روي بأسانيد كثيرة عن أمير المؤمنين وسائر الأئمة صلوات الله عليهم بأنّه لا فائدة في قراءة ليس فيها تدبّر.

وروي عن أبي عبدالله عليه‌السلام انّه قال : انّ القرآن نزل بالحزن فاقرؤوه بالحزن (4).

وروي عن حفص قال : سمعت موسى بن جعفر عليهما‌السلام يقول لرجل : أتحبّ البقاء في الدنيا؟ فقال : نعم ، فقال : ولم؟ قال : لقراءة قل هو الله أحد.

فسكت عنه ، فقال له بعد ساعة : يا حفص من مات من أوليائنا وشيعتنا ولم يحسن القرآن علّم في قبره ليرفع الله به درجته فإنّ درجات الجنّة على قدر آيات القرآن ، يقال له : اقرأ وارق ، فيقرأ ثم يرقى.

قال حفص : فما رأيت أحداً أشدّ خوفاً على نفسه من موسى بن جعفر عليهما‌السلام ولا أرجأ الناس منه ، وكانت قراءته حزناً ، فاذا قرأ فكأنّه يخاطب انساناً (5).

ونقل عن رجاء بن أبي الضحاك الذي صاحب الامام علي بن موسى الرضا عليه‌السلام في سفره نحو خراسان قال : ... كان يكثر بالليل في فراشه من تلاوة القرآن ، فاذا مرّ بآية فيها ذكر جنّة أو نار بكى ، وسأل الله الجنّة وتعوّذ من النار ، وكان عليه‌السلام

يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع صلواته بالليل والنهار ، وكان إذا قرأ « قل هو الله أحد » قال سرّاً : « الله أحد » فاذا فرغ منها قال : « كذلك الله ربنا » ثلاثاً.

وكان إذا قرأ سورة الجحد قال في نفسه سرّاً : « يا أيها الكافرون » فاذا فرغ منها قال : « ربي الله وديني الإسلام » ثلاثاً ، وكان إذا قرأ « والتين والزيتون » قال عند الفراغ منها : « بلى وأنا على ذلك من الشاهدين » وكان إذا قرأ « لا أُقسم بيوم القيامة » قال عند الفراغ منها : « سبحان اللهم بلى ».

وكان يقرأ في سورة الجمعة « قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة للذين اتقوا والله خير الرازقين » ، وكان إذا فرغ من الفاتحة قال : « الحمد لله رب العالمين » وإذا قرأ « سبّح اسم ربك الأعلى » قال سرّاً : « سبحان ربي الأعلى » وإذا قرأ « يا أيها الذين آمنوا » ، قال : « لبيك اللهم لبيك » سرّاً ... (6).

وروي بسند معتبر عن أمير المؤمنين عليه‌السلام انّه قال : إذا قرأتم من المسبّحات (7) الأخيرة فقولوا : « سبحان الله الأعلى » وإذا قرأتم « أن الله وملائكته يصلون على النبي » فصلوا عليه فالصلاة كنتم أو في غيرها ، وإذا قرأتم والتين ، فقولوا في آخرها : « ونحن على ذلك من الشاهدين » ، وإذا قرأتم « قولوا آمنّا بالله » فقولوا : « آمنّا بالله » حتى تبلغوا إلى قوله : « مسلمين » (8).

وروي بسند معتبر آخر انّ عليّ بن موسى الرضا عليهما‌السلام كان يختم القرآن في كلّ ثلاث ، ويقول : لو أردت أن أختمه في أقرب من ثلاث لختمت ، ولكنّي ما مررت بآية قط الاّ فكّرت فيها ، وفي أيّ شيء أُنزلت ، وفي أيّ وقت ، فلذلك صرت أختم في كلّ يوم (9).

وروي بسند معتبر عن أبي عبدالله عليه‌السلام في « قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون » : « أعبد ربي » ، وفي « ولي الدين » : « ديني الإسلام عليه أُحيي وعليه أموت ان شاء الله » (10).

وروي عن عليّ بن الحسين عليهما‌السلام انّه قال : آيات القرآن خزائن العلم ، فكلّما فتحت خزانة فينبغي لك أن تنظر ما فيها (11).

وعنه عليه‌السلام : لو مات مَن بين المشرق والمغرب لما استوحشت بعد أن يكون القرآن معي.

وعنه عليه‌السلام إذا قرأ « مالك يوم الدين » يكررها حتى كاد أن يموت (12).

ولعمري كيف يستوحش من كان الله أنيسه ، فاذا أراد أن يتكلّم تكلّم مع الله وناجاه ، وإن أراد أن يتكلّم معه قرأ القرآن فإنّ الله تعالى قد يخاطبه وهو يجيب عالماً بذلك الخطاب قائلاً : لبيك ، وقد يتكلم الأنبياء معه كأنّه يسمع منهم مشافهة ، بل انّ الأنبياء كانوا يتكلّمون في عهدهم مع جمع من العميان ومن في آذانهم صمم فالخبير الواعي يستجيب أكثر منهم لأنّ خطاباتهم تعمّ جميع العالمين.

وقد يقصّ الله تعالى له القصص وينقل له أحوال الماضين ، وهو يكاد يموت فرحاً من هذه الكرامة ، وقد يضع له مائدة فيها ألوان النعم ، والعارف يلتذ بنعم الجنّة بما انّها من الحبيب ، فكذلك يلتذ بوعده أيضاً بل يكون أكثر لذّة ، وانّ المحبين يلتذّون بشراب طهورِ الجنّة في هذه النشأة أكثر منها في تلك النشأة.

وقد يذكر الله أوصافه للقارىء ، ويسيّره في بساتين صفاته الكماليّة ، فتارة في بستان الرحمانية ويريه ما هيّأ من الموائد وألوان النعم للكافر والمسلم ، وماله من النعم الخفيّة على العصاة والمذنبين ، وقد يسيّره في بستان الرحيمية ويريه ما أكرم به محبيه من الألطاف الخاصة.

وقد يسيّره في بستان الرازقية فيرى انّه ما من ورقة ولا شجرة ولا نبات الاّ ولها حظّ من رازقيته تعالى حتى تلك الورقة الضعيفة التي نبتت في آخر الشجرة ، فيصل رزقها من الجذر المستقر في الأرض بقدر مقسوم لا يزيد ولا ينقص.

وقد يسيّره في بستان قدرته اللامتناهية ، وقد يفتح له كنوز العلم والمعارف اللامتناهية ، ويعرض عليه من أنواع جواهر الحقائق ما يطيقه ، وكذلك في صفات الجلال والجمال والرفعة والكمال.

وربما نقل له أحوال محبيه وذكر كمالاتهم ، ويُظهر له لطفه بعباده حيث يذكر محبيه قبل آلاف السنين بغاية اللطف والشفقة ، ويمدحهم على النعم التي وهبها لهم ، ويذكر صبرهم وتحملهم للمشاق لأجله.

فإنّه تعالى يريد انماء رجاء العباد بذكر وسعة حلمه وكرمه بالنسبة إلى الماضين ، فما أكرمه ربّاً حيث يرغّب عباده في غاية اللطف والمداراة بالحور والقصور والأطعمة والأشربة ـ كالأب الشفيق والمعلّم العطوف ـ وذلك لأجل إيصالهم إلى درجة الكمال.

وربّما هدّدهم بأنواع العذاب ، فالتالي للقرآن بتدبر وتفكر ، والذي فتحت أبواب بساتين فيض الله اللامتناهي على عقله ، وأدركت عين قلبه أنوار المعارف فانّه يرى ما رتّب له في كلّ صفحة من صفحاته من بساتين الحقائق ، وأنواع أنوار المعارف والهداية ، وما أحضر لأُنّسه في محفل مملوّ من صفوة الله ومحبّيه.

وما أعد له من أنواع النعم الروحانية وأصناف اللذائذ العقلانية ، وما هيأ له من أقداح مملوّة بشراب لطف الله الطهور ومحبته ، فالله تعالى مضيّفه والأنبياء والأوصياء والصديقون أصحابه ، فلا لوم على من مات فرحاً وسروراً.

ثالثاً : الطهارة عند التلاوة ، كما روي عن محمد بن الفضيل ، عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام قال : سألته أقرأ المصحف ثم يأخذني البول فأقوم فأبول واستنجي ، وأغسل يدي وأعود إلى المصحف فأقرأ فيه؟ قال : لا ، حتى تتوضّأ للصلاة (13).

ويحمل هذا الشرط على الاستحباب بل انّ ظاهر الأحاديث المعتبرة استحباب قراءة الجنب والحائض غير سور السجدة ، وحكم البعض بكراهة قراءة أكثر من سبع آيات ، وقيل انّ قراءة أكثر من سبعين آية أشدّ كراهة ، لكن الأحاديث الصحيحة تدلّ على جواز قراءتهما للقرآن مهما أراد الاّ سور السجدة فهي محرّمة عليهما.

رابعاً : الاستعاذة ، ولا خلاف في استحبابها إذا شرع في القراءة والتلاوة ، وهناك خلاف بين القرّاء في كيفيتها ، والمشهور عند علماء الشيعة أحد الوجهين ، الأول : « أعوذ بالله من الشيطان الرجيم » وهذا أشهر بين الشيعة والسنة ، الثاني : « أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ».

وجاء في بعض روايات الشيعة بعده « وأعوذ بالله أن يحضرون » وجاء في بعضها الآخر « انّ الله هو السميع العليم » وفي بعضها « أعوذ بالله من الشيطان الرجيم انّ الله هو الفتاح العليم » والوجهان الأولان أشهر وأولى.

خامساً : استقبال القبلة عند القراءة ، في المجالس وغيرها كما روي من انّه أشرف المجالس ما استقبل به القبلة (14).

وقد ذكرت بعض الآداب في كتب التفسير والقراءة وذكرها هنا يوجب التطويل.



-----------------------
1ـ المزمل : 4.
2 ـ مضمون النص.
3ـ الكافي 2 : 614 ح 1 باب ترتيل القرآن.
4 ـ الكافي2: 614 ح 2 باب ترتيل القرآن ـ الوسائل 4 : 857 ح 1 باب 22.
5 ـ الكافي 2 :606 ح 10 باب فضل حامل القرآن.
6 ـ البحار 49 : 94 ضمن حديث 7 باب7 ـ عن عيون أخبار الرضا عليه‌السلام.
7 ـ المسبحات كلّ سورة ابتدأت بسبّح أو يسبّح ( منه رحمه الله ).
8 ـ البحار 92:217 ح 1 باب 27 ـ عن الخصال.
9ـ الوسائل 4: 863ح 6 باب 27.
10 ـ قرب الاسناد : 44 ح 144 ـ عنه البحار 92 : 339 ح 1 باب 121.
11 ـ مستدرك الوسائل 4 :238 ح 3 باب 3.
12 ـ الكافي 2 : 602 ح 13 ، كتاب فضل القرآن.
13ـ قرب الاسناد : 395 ح 1386 ـ عنه البحار 92 : 210 ح2 باب 26 ـ الوسائل 4 : 847 ح 1 باب 13.
14ـ البحار 75 : 469 ح 4باب 96 ـ عن كتاب الغايات.