بسم الله الرحمن الرحيم

صفات قرّاء القرآن وأصنافهم


اعلم انّ لفظ حملة القرآن يراد منه عدة معان :

الأول : أن يتعلّم لفظ القرآن بشكل صحيح وهذا أوّل مراتب حملة القرآن ، ويكون التفاضل فيها بزيادة علم القراءة ومعرفة آدابها ومحسناتها ، وبكثرة حفظ السور والآيات القرآنية.

الثاني : معرفة معاني القرآن ، وكان القرّاء سابقاً يعلّمون المعاني أيضاً ، وهذه أعلى من معرفة اللفظ ، ويكون التفاضل فيها بزيادة فهم معاني القرآن من الظواهر والبواطن ونقصانه.

الثالث : العمل بأحكام القرآن ، والتخلّق بأخلاقه ، والخلّو من الصفات التي نهى عنها ، فالحامل الحقيقي للقرآن هو من حمل الألفاظ والمعاني ، وتخلّق بصفاته الحميدة.

واعلم انّ القرآن احسان الله المعنوي كما روي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّ القرآن مائدة الله ، ومن الواضح انّ مائدة الكرماء تكون جامعة وفيها لكلّ شخص نعمة حسب شأنه ، وما من أحد الاّ وله حظ من القرآن.

فينتفع الكثير نفعاً دنيوياً وأُخروياً بكتابة ألفاظه ، حتى من هيّأ الدواة والقرطاس ، ومن يكتب ومن يعطي الاجور وغيرهم ممن له دخل في كتابة القرآن ، فإن فعلوا لله كان نفعهم في الدارين معاً ، وإن فعلوا للدنيا انتفعوا نفعاً دنيوياً.

وهناك من ينتفع به نفعاً دنيوياً وأخروياً أيضاً بتعليم وتعلم ألفاظه ، وكلّ ذي علم من العلوم الكثيرة ينتفع بالقرآن ، فعالم الصرف يستفيد من وجوه تُصاريفه واشتقاقاته ، والنحوي يستشهد بأنواع اعرابه ، والمعاني والبيان يأخذ النكات الغريبة ، ويستفيد أصحاب البلاء من بركة آياته الكريمة بالتلاوة والكتابة ، ويلجأ إلى سوره وآياته أرباب المطالب الدنيوية والأخروية ويجدون سؤلهم فيه.

ومن وجوه اعجاز القرآن آياته وسوره وتأثيراته الغريبة ، ولجوء أرباب التكسير وأصحاب الأعداد وغيرهما إليه ، وانتفاع جميع العلماء بمعانيه الغريبة من متكلم وحكيم وفقيه ورياضيّ ، وعلماء الأخلاق والطب والشعراء والأُدباء وغيرهم من الذين ينتفعون بظاهر القرآن.

وينتفع من كل بطن من بطونه بفوائد وحكم ومعارف غير متناهية من يكون قابلاً لها كأصحاب العرفان وأرباب اليقين ، فالحامل الكامل للقرآن المجيد هم الذين يستفيدون من جميع منافع القرآن على وجه كامل ، وهم النبي الأكرم وأهل بيته الأطهار صلوات الله عليهم.

ولقد علم بالأحاديث المتواترة أنّ لفظ القرآن يختصّ بهم ، وانّ القرآن التام الكامل عندهم ، وانّ العلوم القرآنية الموجودة تنسب كلّها إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام بالاتفاق ، ووردت أحاديث متواترة أيضاً انّ معنى القرآن لا يفهمه غيرهم وعندهم علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، وانّ جميع الشرائط والأحكام في القرآن وعلمها مخزون عندهم.

وانّ للقرآن سبعة أبطن أو سبعين بطناً وعلم جميع هذه البطون عندهم ، وكذلك يختصون بالعمل بجميع شرائع القرآن وأحكامه لأنّهم معصومين من جميع الخطايا ، ومتصفين بجميع الكمالات البشرية.

وانّ أكثر القرآن ورد في مدحهم وذم مخالفيهم ، كما ورد انّ ثلث القرآن نزل في أهل البيت ، وثلث منه في ذم أعدائهم ، وثلث منه في الفرائض والأحكام ، والظاهر انّ الصفات الممدوحة في القرآن ترجع إلى مدح صاحبها ، وهم أصحاب تلك الصفات على الوجه الكامل ، وكذا الصفات المذمومة فيه ترجع إلى ذمّ صاحبها وهم أعداء أهل البيت عليهم‌السلام.

واعلم انّ القرآن ليس شيئاً قائماً بالذات بل هو عرض له ظهورات مختلفة في أماكن مختلفة ، فانّه كان في علم واجب الوجود ، ثم ظهر في اللوح ، ثم انتقل إلى الروح وجبرئيل عليهما‌السلام ، ثم ظهر في نفس النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المقدسة بواسطة جبرئيل أو بدون واسطة ، ثم سرى إلى قلوب الأوصياء والمؤمنين وظهر على هيئة كتاب.

ولجوهر القرآن احترام وهيبة خاصة فلذا يصبح كلّ مكان ظهر القرآن فيه محترماً ومهيباً ، وكلّما كان ظهوره في مكان أكثر كانت حرمته أكثر. فالنقوش والألفاظ والأوراق والجلد المجاور لها ـ مع كونها أدنى مراتب ظهوره ـ لها درجة من الحرمة بحيث يحكم بكفر من أساء الأدب إليها ، فكيف بقلب المؤمن الحامل للقرآن ، فحرمته أكثر من حرمة تلك النقوش والأوراق.

كما ورد من انّ حرمة المؤمن أعظم من حرمة القرآن ، وكلّما ظهرت المضامين الحسنة والأخلاق القرآنية في المؤمن أكثر كان احترامه أكثر ، وكلّما ظهر خلافها من الأخلاق الذميمة والنقائص والمعاصي سبّبت نقصان ظهورات القرآن ونقصان حرمة المؤمن.

اذاً فإنّ لهذه الأوصاف والظهورات القرآنية ازدياد حتى تصل إلى غايتها في النبي الأكرم وأهل بيته الأطهار صلوات الله عليهم ، كما جاء في وصف النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه كان خلقه القرآن ، بل لو نظرت جيدا لرأيت أنه صلوات الله عليهم حقيقة القرآن ، حيث كانوا لفظ القرآن ومعناه وخلقه.

وكما عرفت من انّ القرآن الحقيقي يطلق على ما يحتوى النقوش والالفاظ إذاً فإنّ نقوش القرآن بحسب المعنى واللفظ انّما هو في قلوبهم المطهرّة ، كما انّ أمير المؤمنين عليه‌السلام كان يقول كثيراً : « أنا كلام الله الناطق ».
وهذا هو معنى ما ورد عن أبي عبدالله (1) عليه‌السلام حيث قال في حديث طويل من انّ القرآن يأتي يوم القيامة في أحسن صورة ويشفع لحملته ، فقال الراوي : قلت : جعلت فداك وهل يتكلّم القرآن؟ فتبسّم ثم قال : رحم الله الضعفاء من شيعتنا انّهم أهل تسليم ، ثم قال : نعم والصلاة تتكلم ولها صورة وخلق تأمر وتنهى.

قال الراوي : فتغيّر لذلك لوني وقلت : هذا شيء لا أستطيع أنا اتكلّم به في الناس ، فقال : وهل الناس الاّ شيعتنا ، فمن لم يعرف الصلاة فقد أنكر حقّنا ، ثم قال : اسمعك كلام القرآن قال : فقلت : بلى صلى الله عليك ، فقال : « اِنَّ الصَّلاةَ تَنهى عَنِ الفَحشَاءِ واَلمُنكَرِ وَلَذِكرُ اللهِ اَكبَر » فالنهي كلام ، والفحشاء والمنكر رجال ، ونحن ذكر الله ونحن أكبر (2).

وبما انّ لهذا المطلب دخلاً كبيراً في توضيح أخبار أهل البيت عليهم‌السلام فإنّ الزيادة في توضيحه أصوب.

اعلم انّ لكل شيء صورة ومعنى وجسداً ، سواء فيه الأخلاق وغيرها ، لكن الحشوية تمسكوا بالظواهر ولم يخرجوا منها ، فحرموا أنفسهم عن كثير من الحقائق ، وتمسك بعض آخر بالبواطن والمعاني تاركين الظواهر فألحدوا لذلك ، وصاحب الدين من أذعن بكليهما.

مثلاً انّ للجنّة صورة وهي الجدران والأشجار والأنهار والحور والقصور ، ولها أيضا معنى وهو الكمالات والمعارف واللذات المعنويّة وهذه في الجنة الصوريّة ، والحشويّ يقول : انّ الجنة لا تكون غير لذة الأكل والشرب والجماع.

والمحلد يقول : انّ الجنّة ليس لها جدران وأبواب ، وهذه كناية عن اللذات المعنوية ، فلهذا أنكروا ضروريّ الدين فكفروا لذلك ، لكن صاحب اليقين يعلم انّ كليهما حقّ ، وتكون اللذات المعنوية في ضمنها ، كما أشرنا في أوّل الكتاب إلى هذا المعنى.

وكذلك الأمر في الصراط ، فهو حق ، وورد انّ أهل البيت عليهم‌السلام هم الصراط المستقيم ، وورد أيضاً انّ الصراط حبّ عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، وجاء انّ الصراط جسر على جهنّم ، فهذا كلّه حق ، لأنّ صراط الآخرة مثال للصراط الدنيوي ، وقالوا لنا : استقيموا في الدنيا على صراط دين الحق وولاية أهل البيت عليهم‌السلام.

وهناك شعب وطرق كثيرة في اليمين والشمال من المذاهب المختلفة والذنوب الكبيرة ، فمن توجّه نحوها انحرف عن الصراط ، وهو في غاية الدقة وقد كمنت الشياطين في طريقه ، وله سبل منها العبادات الشاقة ، وترك المعاصي ، وقد ضلّ فيها الكثير وتاه.

فهذا انموذج كامل عن صراط الآخرة الذي في غاية الدقة والصعوبة وقد وضع على جهنّم ، فمن كان في الدنيا مستقيماً عليه يسير عليه حتى يصل الجنّة سريعاً ، ومن انحرف عنه بسبب اعتقاد فاسد أو كبيرة مهلكة فسوف تزل قدماه في نفس تلك العقبة والكمين ، ويسقط في جهنّم.

وكذلك الحيات والعقارب فهي في الآخرة صورة الأخلاق الذميمة ، وانّ الأشجار والحور والقصور صورة الأفعال الحسنة وثمرتها ، وكذلك الصلاة فإنّ لها في الدنيا روح وجسم ، فجسمها هو الأفعال المخصوصة ، وروحها ولاية علي بن أبي طالب وأولاده الكرام عليهم‌السلام.

وانّما عمل الروح تقويم الجسد وتكون منشأ لحركات بدن المؤمن ، فالصلاة من دونه ولاية لا توجب كمالاً ولا قرباً ، ولا تنجى من العذاب كالجسم الميّت.

فالولاية روح الصلاة ، وبما انّ الصلاة الكاملة تصدر منهم وان صدرت من غيرهم فانّما هو ببركتهم ، فبقاء الصلاة اذاً بهم ولذلك فهم روح الصلاة ، وبما انّ وصف الصلاة قد كمل فيهم وأصبح خلقهم فكأنّما اتحدوا بالصلاة ، فكما انّ لفظ الانسان يطلق على الجسم أو الروح أو الجسم والروح معاً فكذلك الصلاة تطلق على هذه الأفعال وعلى تلك الذوات المقدسة ، وعليها حال كونها متصفة بهذه الصفات ، فالمراد بظاهر الصلاة في القرآن هذه الأفعال ، ويراد من باطنها الولاية ، ولا منافات بينهما.

ولقد أنكر جمع من الملاحدة الاسماعيلية العبادة لكونهم لم يفهموا هذه الأحاديث ، فكفروا لذلك ، ويقولون : انّ الصلاة كناية عن شخص ، والصوم كناية عن شخص آخر ولا عمل ، ووقع جمع من الحشوية في التفريط فانكروا هذه الأحاديث وردّوها.

وكذلك الإيمان ، بما أنّه كمل بأمير المؤمنين عليه‌السلام فهو عليه‌السلام متصف به بشكل كامل وبقاء الايمان بوجوده ، وانّ ولايته الركن الاعظم للايمان ، والايمان سرى في جيمع أعضائه وجوارحه ، ويُرى أنوار الايمان من أفعاله دائماً ، ولا يبعد اطلاق الايمان على الامام عليّ صلوات الله عليه في بطن القرآن ، وكذلك أعداءهم في باب الكفر والمعاصي.

فالروح والمحل والمعنى الحقيقي للصلاة والايمان والزكاة وغيرها من العبادات انّما هو علي بن أبي طالب وأولاده الكرام عليهم‌السلام ، وانّ المحل الحقيقي للفحشاء والمنكر والكفر والفسوق والعصيان خلفاء الجور وسائر أعداء أهل البيت عليهم‌السلام ، فإنّ بقاء الكفر والمعاصي بسببهم.

وفضّلت الكعبة كذلك بهم عليهم‌السلام لأنّهما محلّ نزول الفيض اللهي ومعبد محبّي الله ، وانّ قلوب الأئمة المعصومين عليهم‌السلام ومحبيهم التي هي محال معرفة الله وحبّه أشرف من الكعبة ، وفي الحقيقة أنهم الكعبة الواقعية ، لكن لا ينبغي لأحد انكار حرمة هذه الكعبة الظاهرية أو انكار الحج فيكفر ، بل لابدّ أن يذهب أولاً إلى الكعبة الظاهرية ثم إلى الباطنية فيستفيد من أنوار كليهما.

روي بأسانيد معتبرة عن أبي عبدالله وأبي جعفر الباقر عليهما‌السلام قال : انّما امر الناس أن يأتوا هذه الأحجار ، فيطوفوا بها ثم يأتونا فيخبرونا بولايتهم ويعرضوا علينا نصرهم (3).

ولا يمكننا بسط الكلام أكثر من هذا لكن لو أدركت هذا المعنى جيّداً لاتضح عندك ما غمض عليك من الأخبار ، ولفهمت معنى نهي الصلاة [ عن الفحشاء ] بانّها توجب القرب للكمّل ونهيهم عن المعاصي ومتابعة العاصين ، وانّ الأئمة عليهم‌السلام الذين هم روح الصلاة ينهون كذلك.

بل انّ نفس تلك الصلاة التي كملت فيهم عليهم‌السلام وأوجبت رقيّهم إلى أعلى درجات القرب تتكلّم بلسناهم وتمنعك ، هذا ولعلّ الكلام أكثر من هذا المقدار يوهم معاني الكفر فلنرجع إلى نقل الأخبار في وصف حاملي القرآن.

روي بسند معتبر عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام انّه قال : قرّاء القرآن ثلاثة : رجل قرأ القرآن فاتخذه بضاعة ، واستدرّ به الملوك ، واستطال به على الناس ، ورجل قرأ القرآن فحفظ حروفه ، وضيّع حدوده ، وأقامه اقامة القدح ، فلا كثّر الله هؤلاء من حملة القرآن.

ورجل قرأ القرآن فوضع دواء القرآن على داء قلبه ، فأسهر به ليله ، وأظمأ به نهار ، وقام به في مساجده ، وتجافى به عن فراشه ، فباولئك يدفع الله العزيز الجبار البلاء ، وباولئك يديل الله عزّوجلّ من الأعداء ، وباولئك ينزّل الله عزّوجلّ الغيث من السماء ، فوالله لهؤلاء في قرّاء القرآن أعزّ من الكبريت الأحمر (4).

وروي بسند معتبر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم انّه قال : انّ أحق الناس بالتخشّع في السر والعلانية لحامل القرآن ، وانّ أحقّ الناس في السر والعلانية بالصلاة والصوم لحامل القرآن ، ثم نادى بأعلى صوته : يا حامل القرآن تواضع به يرفعك الله ، ولا تعزّز به فيذلّك الله ، يا حامل القرآن تزيّن به لله يزيّنك الله به ولا تزيّن به ، للناس فيشينك الله به.

من ختم القرآن فكأنّما أدرجت النبوة بين جنبيه ولكنّه لا يوحي إليه ، ومن جمع القرآن فنوله لا يجهل مع من يجهل عليه ، ولا يغصب فيمن يغضب عليه ، ولا يحدّ فيمن يحدّ ، ولكنّه يعفو ويصفح ويغفر ويحلم لتعظيم القرآن ، ومن أوتي القرآن فظنّ أنّ أحداً من الناس أوتي أفضل ممّأ أوتي فقد عظّم ما حقّر الله ، وحقّر ما عظّم الله (5).
وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : من قرأ القرآن ثم شرب عليه حراماً أو أثر عليه حبّ الدنيا وزينتها استوجب عليه سخط الله ألا أن يتوب ، ألا وانّه ان مات على غير توبة حاجّه يوم القيامة فلا يزايله الاّ مدحوضاً (6).


---------------------

1 ـ وجدناه في الكافي عن سعد الخفاف ، عن أبي جعفر عليه‌السلام.
2 ـ لاحظ الكافي 2 : 598 ضمن حديث 1 ، باب كتاب فضل القرآن.
3 ـ الوسائل 10: 252 ح 1 باب 2 ـ البحار 99 : 374ح 3 باب 66.

4 ـ الكافي 2: 627 ح1 باب النوادر ـ الوسائل 4: 836 ح 3 باب 8.
5 ـ الكافي 2: 604 ح 5 باب فضل حامل القرآن ـ الوسائل4 : 835 ح 1 باب 8.
6ـ الوسائل 4: 836 ح 4 باب 8.