بسم الله الرحمن الرحيم

تضخيم المشكلة


خلقنا ضمن المعادلة العادلة لله ( سبحانه و تعالى ) (؟ ... لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ... )،
فضمن معادلة البلاء و المصائب و المشكلات خلقنا ، و الهدف من هذا أن يرى الله سبحانه أينا أحسن عملا أمام تلك المصائب و المشكلات .

كثيرون هم الذين يتمنون حياتهم دون مصاعب و مشاكل و تحديات ، لكنها أمنيات خارج سياق الامتحان للخلق ، و خارج سياق البلاء الذي أعده الله للإنسان كي تكون دار الدنيا بالنسبة لهم مزرعة للآخرة .

إن جزءا كبيرا من التوترات التي تظهر في العمل ، أو في الاستثمار و عالم المال ، و كذلك التضجر الذي يبديه بعض الأزواج من شريك الحياة ، و التذمر الذي يلحظ من بعض الأسر حول بعض تصرفات أولادهم ، و التوترات التي تشهدها مراكز الاستشارات الأسرية في كل مكان ، و الهموم التي تعلو صدور الناس و تقلق راحتهم في قضايا حياتية مختلفة ، كل ذلك ناشئ من تصور الناس أن الحياة يمكن أن تكون صافية من المشكلات و المصائب و الابتلاء .

إنهم يلحظون السعادة مرتسمة على بعض الناس و بعض الوجوه ، فيعتقدونها وجوها لا تحمل قلوبها آلاما ، و لا يعيش أصحابها تحديات و مشاكل ، و لا يفقه أهلها معنى الأزمات ، و هذه اعتقادات محض خاطئة و بعيدة كل البعد عن طبيعة الحياة التي يعبر عنها الشاعر بقوله :
طبعت على كدر و أنت تريدها *** صفوا من الأقذاء و الأكدار

فإذا كان لكل مصيبته و بلاؤه و مشكلاته و أزماته ، فلماذا ترفرف السعادة على بعض الوجوه ، و تعمر الفرحة دائما بعض القلوب ، في حين تبقى أفئدة أخرى منكسرة مريضة سليبة ؟

لماذا نلحظ أناسا تغمرهم الفرحة ، و ترتسم على وجوههم البسمة في حين نشاهد آخرين يعيشون النكد و القلق و الألم و الأمراض النفسية مع أن لكل مشاكله و مصائبه ؟

أعتقد أن الأمر يعود لتعامل الإنسان مع المشكلات التي تصيبه ، و هنا أشير إلى ثلاثة أساليب يتعامل بها الناس مع مشاكلهم ، و هي ذات أثر بالغ في بقاء السعادة هنا و ارتحالها هناك .

الأسلوب الأول : تضخيم المشكلة ، إن الكثير من مساحات العلاقة بين الناس سوية و منتظمة ، و مناطق التوتر محدودة ، لكن الخطأ هو في سيطرة مناطق التوتر على تفكير الإنسان ، لأننا لا نقبل ببقائها دون أن تزحف على كامل علاقاتنا .

لقد اطلعت على بعض التفاصيل في قضية انفصال بين رجل و امرأة تمتلك الكثير من القدرات و الكفاءات ، و كادت هذه القضية تحرمها كل إمكاناتها التي تتميز بها ، لولا عودة التفكير الواعي لديها و الذي سيطر بقوة على عملية التضخيم التي كادت تفتك بها .

الأسلوب الثاني : تجاهل المشكلة ، تماما كما يتجاهل بعض الناس أمراضهم الجسدية ، كبعض المصابين بارتفاع السكر أو الضغط ، فيتعاملون مع غذائهم دون احتراز أو حمية .

إن هؤلاء يقعون في مشاكل صحية عديدة فتتكاثر عليهم الأمراض ، و ينتقلون دائما من السيئ إلى الأكثر سوءا ، و هم يعتقدون أنهم يحسنون صنعا .

إن الفرق بين هذا الأسلوب و الأسلوب الأول ، أن الأسلوب الأول يفاقم صاحبه المشاكل و يعددها ، بينما في الثاني تتفاقم المشكلة بذاتها مولدة بعض المضاعفات بسبب تجاهلها .

الأسلوب الثالث : مصادقة المشكلة ، و لا أقصد بالمصادقة هنا القبول بالمشكلة و الاستسلام لها ، فهذا غير مقبول أبدا ، لكني عنيت بمصادقتها عزيزي القارئ ثلاث نقاط سأدرجها لك مختصرة :

1 ـ الحجم الحقيقي : فلكل مشكلة حجم معين ، و التضخيم لهذا الحجم يشعرنا بالعجز عن حلها و التعامل معها ، كما أن تجاهلها لا يوجد في أنفسنا الدافع لحلها و علاجها .

الحجم الحقيقي للمشكلة هو الذي يمنحنا المقدرة على الوقوف منها على مساحة معينة مع الثقة التامة و الحافز المتفائل في أنفسنا أننا قادرون على حلها و تجاوزها .

كما أن حجم المشكلة الحقيقي يجعلنا مستمتعين ببقية المساحات التي جزمنا في أنفسنا بخلوها من تلك المشكلة ، و بذلك نعيش السعادة و التفاؤل ، خصوصا حين نعلم أن حجم المشكلة بات بسيطا و محصورا .

2 ـ، في مقابل العنف و التهور ، فأعقد القضايا لا يرجع سببها لمشكلة ما فقط ، بل للتصرفات التي تعقب تلك المشكلة ، تصرفات ملؤها الجهل و الحمق و العصبية و التهور .

بينما تعني الحكمة أن يحل العقل بديلا عن كل المعزوفة السابقة لتصطبغ أفعال الإنسان بالهدوء و التأني و النظر لعواقب الأمور .

3 ـ الإصلاح و المعالجة دون أن نرفق ذلك بضغط نفسي داخلي يرهقنا و يتلف أعصابنا ، فما من مشكل إلا و الأمل في اصلاحه قائم و ممكن ، و ما علينا سوى السعي فقط ، أما أن نوتر أنفسنا و نضغط أعصابنا ، و نربك أوضاعنا فذلك لا يمت للحل بصلة ، كما أنه بعيد عن أجواء الصداقة التي افترضناها مع المشكلة 2 .


-------------------------
1
-سورة هود (11)، الآية: 7، الصفحة: 222.
2-الشيخ محمد الصفار ـ « صحيفة اليوم » ـ 3 / 1 / 2009 م ـ 7 :31 ص .